على ضفاف نهر الزاب

بقلم:   داود بيت ابونا

الحلقة الرابعة ـ السقوط في الفخ

 

ما أن يعبرالقوم إلى الضفة اليمنى من نهر الزاب وتطأ أرجلهم أرض بروار حتى تمتلئ النفوس بالفرح والسرور والإطمئنان. إنها نهاية مسيرة الإغتراب والقلق والبؤس. هاهم الآن قاب قوسين أوأدنى من بيوتهم وأرضهم وكل ما أرتبطت به حياتهم، والتي تركوها قبل بضعة أشهرعلى عجل وأتجهوا نحوالمجهول. ها هم يعودون للأمان والإستقرار والحياة الطبيعية بعيدا عن الجوع والعوز وعن صوت الرصاص وأزيزالمدافع وصورالقتل البشعة وأشكال الفضائع المقترفة في كل لحظة. وما هي إلا لحظات حتى يحيط بهم مسلحون بالزي الكردي.

ـ قفوا مكانكم أيها الأنجاس "  فلا بيس "  ولا تتحركوا وإلا أطلقنا عليكم الرصاص.

ـ لا تطلقوا الرصاص فنحن من جماعة الأمير رشيد بك البرواري.

ـ كيف تكونون من جماعة الأمير وأنتم قادمون من الشمال رجال ونساء وأطفال؟ لا بد وأنكم خارجون على القانون من أهل تياري. ماذا تفعلون هنا وأين أسلحتكم؟

ـ قلت لكم بأننا برواريون من أتباع الأمير فلماذا لا تصدّقون؟

ـ من أية قرية أنتم ؟

ـ نحن من قريتي اقري ومالختا، ونريد العودة إلى بيوتنا.

ـ لماذا غادرتم بيوتكم ومعكم نساؤكم وأطفالكم؟ ألا تعلمون أن المنطقة في حالة حرب وكل شئ محتمل الوقوع وفي أية لحظة؟

ـ إن الأميرعلى علم بقضيتنا ومسألة عودتنا إلى ديارنا.

ـ سنرى إن كنتم صادقين. سنأخذكم عند الأمير لينظر في أمركم.

ـ هل الأميرهنا في منطقتنا الآن؟

ـ لا، إنه في مقرّه في درشيرش.

ـ لا بأس، دعوا الشيوخ والنساء والأطفال يذهبون إلى بيوتهم ونحن الرجال سنذهب معكم إلى درشيرش أو أي مكان آخرلمقابلة الأمير.

ـ سيذهب الجميع إلى درشيرش ولا أحد منكم سيذهب إلى مكان آخر.

ـ وكيف يستطيع الشيوخ  والنساء والأطفال الذهاب إلى درشيرش، وهم متعبون من السفر الطويل والجوع والعطش؟ ألا تعرف المسافة إلى  درشيرش يا أخ؟ دعوا العوائل في شأنها وسنأتي أنا وجماعة من الرجال معكم إلى درشيرش أوأي مكان تريدون.

ـ لا تكثرالكلام يا رجل، خير لك ولجماعتك أن تسكتوا وتتبعونا جميعكم إلى مقر الأمير لينظر في أمركم.

ـ لكن يا أخي أليست في قلوبكم رحمة؟ أليس لديكم نساء وأطفال ......

ـ أسكت يا نجس ونفذ ما قلته لك وإلا فإنني لن أخسر فيك سوى رصاصة واحدة فقط. هل فهمت ما أقول؟

يسكت زيّا ويعود إلى الآخرين وهو مهموم ويردد بضعة كلمات تعبر عن حيرته وقلقه أزاء الموقف الذي لا يجد له أي تفسير. كيف سيتصرف وماذا سيقول للقوم وقد وعدهم بأن كل شئ سيكون على ما يرام؟ هل يعود إلى الرجل ويكلمه ثانية محاولا إقناعه بضرورة تغيير رأيه والسماح للضعفاء بالذهاب إلى قراهم؟ لكن الرجل كان واضحا وهدده بإطلاق النار عليه في حالة إلحاحه. ماذا سيفعل وكيف سيوضح الأمر؟   

ـ إلى أين نحن متجهون؟

ـ إلى قرانا طبعا يا أنويا، أليس كذلك يا زيّا؟

ـ لا أدري يا عمي، يبدو أن بعض الأمورقد تغيرت وتعقّدت في الأيام الأخيرة .

ـ ماذا تقصد يا زيّا. هل فعلتها وخنت أهلك؟

ـ أقسم يا عمي بأنني لم أخنكم، بل كنت صادقا في كل ما قلته لكم، لكن يبدو أن الأمورلا تجري بالضبط كما نريد.

 

 

ـ لكن ما الذي يحدث، ولماذا يتجهون بنا صوب الغرب بعيدا عن اقري ومالختا.

ـ إنها ، كما أعتقد مجرد إجراءات أمنية لا غير، فلا تقلقوا يا عمي أوراهم.

ـ أية إجراءات أمنيّة يا زيّا؟ ألم تقل أن كل شئ قد تم ترتيبه وأننا سنعود معزّزون مكرّمون إلى قرانا ؟

ـ ما هذه المسخرة يا زيّا؟ كيف سمحت لنفسك أن تخدع أهلك لحساب الغرباء؟

ـ مهلا يا شباب، لا تتعجلوا بالحكم على الرجل بالخيانة. دعوه يوضّح لنا الأمر.

ـ والله لا علم لي بما يحصل. إسمحوا لي أن أتكلم مع مرافقينا مرّة أخرى.

يذهب زيّا، مضطرا تحت ضغط الآخرين،  للتحدث مرّة أخرى مع المسلحين المرافقين لهم ، وبعد قليل يرجع والقلق والحيرة يسيطران على كلامه وملامحه .

ـ ما بك يا زيّا ؟ تكلم وقل لنا الحقيقة. ماذا قال الرجل لك؟

ـ لا أدري ماذا أقول يا عمي.

ـ ماذا في الأمر؟ هل حصل ما كنا نخشاه؟  قل الحقيقة وبصراحة، هل وقعنا في الفخ؟

ـ لا يا عمي لا أعتقد أن الأمر بهذا الدرجة من الخطورة، لكن هناك ما لا أفهمه. يبدو أن هؤلاء المرافقون لا يدركون الأمر على حقيقته ولم تصلهم أوامرالأمير رشيد بك بوضوح.

تستمر المسيرة نحو الغرب بإتجاه مقرالأمير في درشيرش، مسيرة طويلة وشاقة، رجال ونساء، شيوخ عجزة وأطفال متعبون، نال منهم الجوع والعطش والخوف ومشاقّ الطريق والمصير المجهول والشوق واللهفة للوصول إلى برّ الأمان في أرض الأجداد. تواصل الجموع مسيرتها وتمر على القرى المهجورة والمدمّرة والخالية من البشر. أكوام من الحجر والأدغال والشجر، بقايا بيوت وكنائس كانت قبل أشهر عامرة مسكونة مأهولة يملاؤها أهلها ضجيجا وحركة، أصبحت اليوم خاوية مخيفة يخيم عليها السكون في النهار ولا يسمع في لياليها سوى عواء الذئاب ونباح الكلاب الجائعة التي أصبحت سائبة دون أصحاب، فقد تركها أهلها كما تركوا الأرض وكل ما عليها من غال ونفيس. يشتد التعب على الجميع، خاصّة النساء والشيوخ والأطفال، وبعد إلحاح شديد وترجّيات الجميع، حتى المرافقين أنفسهم، من قائد المسيرة وصاحب الأمر والنهي على المساكين مسلوبي الإرادة، وافق سيادته على أن يتم قضاء الليلة بين أنقاض إحدى القرى لتتواصل المسيرة في صباح اليوم التالي.

ـ هيا إنهضوا وإستعدّوا للسير فأمامنا طريق طويل.

ـ على مهلك يا أخ ولا تتعجل.

ـ أسكت أيها النجس ونفّذ ما أقوله لك.

ـ لماذا تستعمل هذه الألفاظ يا أخي؟

ـ قلت لك أن تسكت يا فلا بيس وإلا فإنك ستلقى ما لا يسرّك. أسمعت ما أقول؟

يطلب أوراهم من زيّا السكوت لعدم تطويرالأمور والتعرّض لما لا تحمد عقباه. ينهض الجميع من النوم، رغم أن أغلبهم  وخاصّة الرجال،  بقوا مستيقضون طوال الليل خوفا على الأطفال والنساء من الحيوانات البرية والحشرات والأفاعي وغيرها، ومن غدرالمرافقين وتجاوزاتهم. يستأنف القوم رحلتهم الكئيبة والبؤس والخوف واليأس من الحياة ظاهرعلى جميع الوجوه. يسيرون في الوديان وعلى سفوح الجبال، يصعدون إلى القمم ويخترقون الطرق الوعرة الضيّقة بين الصخور والأحراش، تستمر الأرجل تضرب الأرض وتتقدّم متثاقلة نحو هدف مجهول. ترى ما الذي ينتظرهم في درشيرش؟ ما الذي سيقوله لهم رشيد بك؟ هل سيعطيهم الأمان ويغفر لهم فعلتهم ويسمح لهم بالعودة إلى قراهم والإستقرار فيها دون مقابل أو ثمن؟ أم أنه سيطلب منهم التخلي عن العقيدة؟ لو كانت الأمور على ما يرام فلماذا يأخذونهم إلى درشيرش بهذه الطريقة المهينة والمجهدة ، خاصّة بالنسبة للعوائل؟ لماذا لم يسمحوا للنساء والأطفال والشيوخ بالذهاب إلى بيوتهم في اقري ومالختا عندما مرّوا بالقرب منهما؟ هل هي وسيلة ضغط لإرهابهم للقبول بالشروط التي ستملى عليهم لاحقا، أم أن المرافقين لم يفهموا أوامر الأمير بشكل صحيح؟ ومن يدري ربما لم يصلهم شئ قط من لدن الأمير، أو أن الأمير نفسه هو الذي أمر بأن  يجري التعامل معهم بهذه الطريقة المهينة لإرهاقهم وإذلالهم ومن ثم إجبارهم على تقبل ما سيملى عليهم لاحقا. أسئلة كثيرة تدور في

 

 الرؤوس المرهقة ويتبادلها القوم فيما بينهم دون أن تجد أجوبة شافية. الغموض والقلق يسودان على السائرين ويضيفان إلى متاعبهم همّان جديدان أثقل من بقية الهموم.

مع غروب الشمس تصل طلائع المسيرة إلى مشارف قرية درشيرش، ويطلب من القوم التوقف والإستعداد للبقاء خارج القرية تحت الحراسةالمشددة لمنعهم من الهروب لحين ترتيب لقاء لهم مع الحاج رشيد بك.

ـ أريد أن أقابل الأمير الآن.

ـ لست أنت من يقرر متى ستقابل الأمير.

ـ قل له أن أوراهم من مالختا يريد مقابلتك فهو يعرف من أنا.

ـ أسكت يا رجل ولا تكثر من الكلام.

ـ لا تطيل الكلام مع هذا الوغد يا عمي فهو قليل الأدب وربما سيتجاوزعليك، وحينها سأضطر إلى إقتراف حماقة لا تحمد عقباها.

ـ كما تشاء يا إبن أخي انويا. كم أنا مسرور أن أراك أخيرا قد بدأت تفهم الحياة على حقيقتها فتنصح عمك بضرورة التريث والصبر وعدم الإندفاع والتهور. هكذا هي الحياة، كلها دروس وعبر والإنسان فيها مجرد تلميذ يتعلم منها بإستمرار. التلميذ في ظرف ما، يتحول إلى معلم في ظرف آخر ، والمعلم مهما بلغ من علم ومعرفة، يحتاج إلى غيره في الكثير من المواقف الصعبة.

ـ هل تعتقد يا عمي أنني لم أكن أفهم الحياة حينما كنت أحذرك من هؤلاء؟

ـ لا يا ولدي، ربما يكون فهمك للحياة أفضل من فهمي لها. وربما كان من الأفضل لوإستمعنا إليك وفعلنا كما كنت تقول، لكن الأوان قد فات وعلينا التعامل مع الموقف الذي نحن فيه الآن بشكل صحيح. ربما يكون هناك سوء فهم قد حصل لأنني أعرف الأمير جيدا ولازلت مقتنعا بأنه لا يمكن أن يتخلى عنّا.

ـ الحق معك يا عمي، علينا أن نتكاتف الآن وننسى ما حصل سابقا ونحاول إيجاد مخرج من المأزق الذي نحن فيه.

ـ هكذا نريدك دائما يا انويا، رجل سديد الرأي مثلما أنت رجل في الأمورالأخرى التي تتطلب الشجاعة والإقدام. فالرجولة لا تقاس فقط بالقوة الجسدية، بل بالعقل والفهم وحسن التدبيروالتصرف الصحيح والمناسب للظرف المعين أيضا.

ـ نعم يا ولدي كما قال عمك خامس، يتوجب عليك أن تكون صبورا وهادئا وتعرف كيف تتعامل مع الظرف الذي أنت فيه من أجل الوصول إلى النتائج الأفضل. إن العنف ليس من شيّم الرجال في كل الأحوال.

يضطر القوم للرضوخ لمشيئة صاحب القرار، ويمضون ليلتهم في العراء ، يفترشون الأرض، يلتحفون السماء، ويتوسدون الحجارة. ينام من بقي على قيد الحياة من الأطفال في أحضان أمهاتهم الدافئة رغم برودة الليل، وتحاول الأمهات إلهاء أطفالهن وخداعهم من خلال وضع اثداءهن التي جففها الجوع والعطش والخوف والتعب، في الأفواه البريئة الجائعة العطشى التي لا ذنب لها في كل ما يحصل سوى أنها ولدت من آباء وأمهات يدينون بالمسيحية، دين التسامح والمحبة والسلام، وينحدرون من قوم كانوا سباقون في بناء صروح الحضارة فأشادوا جنائن على الأرض سال لها لعاب الطامعون والغزاة والقتلة فجاءوا من كل الجهات يعيثون في الأرض فسادا وينشرون بين بني البشر الموت والهوان وينهبون كل شئ، حتى الأرض بعد إبادة أهلها وأصحابها الشرعيين، وتغيير معالمها وإزالة كل ما يدل على هويتها ويكشف شر فعلتهم الشنيعة وهمجيتهم. أما الرجال فتضاف ليلة أخرى إلى لياليهم الصعبة، حيث أمضوا ليلتهم هذه ساهرين والخوف على عوائلهم يقض مضاجعهم، فرغم أنهم نظموا خفارات لحراسة معسكرهم المتعب، إلا أن أحد منهم لم ينم طوال الليل،  بل ظلوا يقظين منتشرين حول النساء والأطفال، يتهامسون فيما بينهم حول ما هم فيه من وضع صعب وغموض وحيرة  ويتناقشون من أجل إيجاد سبيل للخروج منها ولكن دون نتيجة.

ـ  ماذا تظن يا زادق؟ هل سيوفي الأمير بوعده ويعيدنا إلى قرانا وبيوتنا دون شروط؟

 

 

ـ لا أدري ماذا أقول يا بنيامين. إن الأمر فيه الكثير من الغموض، لكن القرائن تشير إلى أن شيئا خطيرا ينتظرنا. ألا ترى كيف يتم التعامل معنا؟

ـ المسألة طبيعية  يا زادق، فنحن كنا قد رحلنا إلى تياري ، والقوم هنا في حالة حرب مع أهل تياري وبقية العشائر الآشورية، وهم على علم بصلة القرابة بيننا وبينهم، لذلك يخشون أن يكون في الأمر مؤامرة.

ـ أية مؤامرة يا رجل. ألا يرون النساء والأطفال والشيوخ المتعبين الجائعين الذين معنا؟ هل هكذا يتأمر الناس ويعرضون عوائلهم للهلاك؟

ـ صحيح ما تقوله يا زادق ولكنهم لا يتعمقون في الأمور إلى تلك الدرجة ولا يحللون كما تحلل أنت.

ـ أعرف ما تقصده يا بنيامين، إنهم يرون فينا أعداء تأريخيون ولا يثقون بنا رغم مئات من السنين التي أمضوها بجوارنا ورغم كل تجاربهم معنا والتي كنا فيها مثال الثقة والأمانة. إنهم يسقطون على غيرهم خصالهم في الخيانة وعدم الصدق في العلاقة والريبة والطعن من الخلف ومحاولة سلب ما يملكه الآخرون وغيرها مما يدخل في تركيبتهم النفسية وشخصيتهم النابعة من ضعف قناعاتهم حتى بعقيدتهم التي فرضت عليهم من قبل غيرهم ولا يستطيعون فهمها لأنها غريبة عليهم.

ـ ما رأيك بما فعله بنا زيّا؟ هل كان صادقا في إدعائه بأن الأمير هو الذي أرسله لكي يطلب منّا العودة أم أنه قد تخلى عن عقيدته وخاننا وأراد الإيقاع بنا في المصيدة لكي نصبح جميعا سواسية؟

ـ لا أعتقد أن زيّا يصل إلى هذه الدرجة من الإنحطاط يا بنيامين. ربما يكون في الأمر خداع أو إجبار بشكل من الأشكال، لكن أن يفعلها هكذا دون سبب فأنا لا أستطيع أن أتصور ذلك. سيتضح الأمر غدا عندما نلتقي بالأمير رشيد بك.

ـ نأمل أن يكون موقف الأمير إيجابيا، فنحن لم نخن أحد، وكل ما حصل أننا خشينا على عوائلنا من إعتداءات رجال العشائر الغرباء الذين إمتلأت بهم بروار، فحاولنا الإبتعاد عنهم لحين جلاء الموقف ، وعندما ساءت الأمور هناك وأرسل الأمير بطلبنا، لبينا الطلب وعدنا إلى أراضينا دون أن نسبب لأحد ما أي أذى أو ضرر.

ـ إنك تنظر إلى الأمر هكذا يا بنيامين، لكن من يعلم كيف ينظر إليه الأمير، وما الذي  وصله من أخبار ومعلومات ومن الذي أوصلها إليه؟ سننتظر إلى الغد وسنرى ما الذي ينتظرنا.

في كل طرف من أطراف المخيم يدور نقاش مثل هذا بين كل إثنين أو أكثر من الرجال الذين يسهرون ويحرسون من فيه، بأيدي مجردة ولكن بقلوب تملأها الشجاعة والصدق والإيمان والحرص والإستعداد للموت في سبيل الأبرياء الراقدين بين الأحراش والصخور والذين هم أمانات بأعناقهم، وفي سبيل قناعاتهم التي إختاروها بأنفسهم دون أن يفرضها عليهم احد.

في الصباح الباكر يأتي الحراس إلى المخيم ليخبروا القوم برغبة الأمير بمقابلتهم.

ـ هيا إنهضوا وإستعدوا لتحية الأمير فقد جاء لينظر في أمركم ويقرر مصيركم. لا نريد منكم كلاما كثيرا ولا تطيلوا ألسنتكم في حضرة سيّدكم الأمير، هل سمعتم ما أقول؟

ـ نعم سمعنا يا رجل، دعنا نقابل الأمير وعندعذ ستدرك كم أنت مخطئ بحقنا وفي طريقة تعاملك معنا. 

ـ سنرى ذلك وستدركون مدى حماقتكم  وقلة شـأنكم وقدركم لدى الأمير. من المؤكد أنه لا يعرف من أنتم ومن أية قرية أو منطقة جئتم.

ـ لا بأس، سنرى ذلك قريبا.

فيما يستمرالنقاش بين أوراهم والحارس يسمع صوت مجموعة من الرجال المسلحين قادمين من القرية إلى مكان تواجد القوم، يتوسطهم رجل أشيب الرأس بهي المنظر. يلقي سلام على القوم ويبدو عليه في الوهلة الأولى عدم معرفتهم، لكن سرعان ما تقع عيناه على أوراهم وسط القوم فيناديه قائلا:

ـ ألست أوراهم من مالختا؟

ـ نعم يا حضرة الأمير، إنني أوراهم.

ـ ما الذي حصل لك يا رجل، وماذا تفعل هنا في هذا الوقت، ومن هؤلاء الذين معك؟

ـ إنهم أهلي وأقاربي من مالختا واقري، ولقد عدنا كما طلبت منا، وأردنا التوجه إلى قرانا، إلا أن هؤلاء الرجال منعونا من ذلك.

 

 

ـ ماذا تقول يا رجل؟ أين كنتم ومن أين رجعتم؟

ـ كنا قد رحلنا من قرانا وتوجهنا شمالا إلى تياري عندما إشتدت الحرب وإمتلأت منطقتنا بالغرباء من رجال العشائر الأخرى الذين إستمروا بإبتزازنا وسلب كل ما كان لدينا من مال ومواد غذائية ومواشي وكل شئ، وبدأوا بالتطاول على مقدساتنا ومحرماتنا، ولم نفلح بالإتصال بكم لردعهم عن سلوكهم المشين، حيث منعونا من إرسال مبعوث إلى طرفكم، فما كان أمامنا سوى سبيلا واحدا للتخلّص من تجاوزاتهم، هوالهروب من قبضتهم والتوجه إلى تياري تخلصا من الوضع الصعب والشاذ الذي وجدنا أنفسنا فيه.

ـ ولكن لماذا توجهتم إلى تياري ؟ ألم نكن في حالة حرب معهم؟ كيف تتجهون إلى أعدائنا؟ كان يجب عليكم البقاء والصمود في قراكم وعمل المستحيل لمساعدة ودعم عشيرتكم في حربها،  بل المشاركة في الحرب معنا ضدهم فأنتم جزء منا، من بروار ولا علاقة لكم بالتياريين، أليس كذلك؟

ـ نعم يا أميرنا الموّقر، كل ما تقوله صحيح، لكن الظروف التي وجدنا أنفسنا فيها جعلتنا غير قادرين على رؤية الأمور بوضوح وكما كان يجب، ولم تسمح لنا بالتفكير الصحيح، فأسأنا التقدير والتصرف وإتخذنا قرارا خاطئا، ولكننا عندما وصلنا هناك ومكثنا فترة بينهم أدركنا خطأنا وندمنا على فعلتنا رغم أننا إرتكبناها مجبرين تحت ضغط الظروف التي شرحتها لحضرتكم قبل قليل.

ـ وكم بقيتم هناك في تياري وماذا كنتم تفعلون؟

ـ بقينا مدّة شهرين ونيف، كنا نهرب من مكان إلى آخر أمام ضغط القوات التركية وأزيزمدافعهم المرعب، ورصاص رشاشاتهم الذي كان ينهمر كالمطر من كل الجهات.

ـ ألم تشاركوا في الحرب إلى جانب التياريين، ضد قوات الدولة  وقواتنا ؟

ـ طبعا لا يا أميرنا، فنحن كما تعلم لسنا أهل حرب مثل أهل تياري، وهم أصلا لايعتمدون علينا ولم يطلبوا منّا ذلك لأنهم يعتقدون أننا لا نجيد إستعمال السلاح.

ـ لماذا عدتم إلى بروار إذن؟

ـ عدنا لأننا أدركنا أن لا مكان لنا سوى في قرانا وأرض أجدادنا وبين أهلنا وإخواننا وذوينا من أهل بروار تحت رعايتكم وحمايتكم، خاصة عندما علمنا أن أبناء العشائر قد غادروا منطقتنا وتقدموا شمالا نحو تياري، وقد صادف ذلك وصول زيّا حاملا الخبر المفرح بتفضلكم بالإرسال بطلبنا للعودة إلى قرانا، فما كان منا سوى الإسراع  بتنفيذ مشيئتكم والمغادرة فورا والتوجه صوب أهلنا وأرضنا.

ـ من هو زيّا هذا ومن قال لك أنني أرسلته إليكم ، ومتى كان ذلك؟

ـ ألم ترسل صهرنا زيّا ليخبرنا برغبتك بعودتنا إلى قرانا؟

ـ انا لم أقابل ولم أرى صهركم هذا في حياتي، أين هو؟ أريد أن أرى وجهه.

ـ أنا زيّا يا سيادة الأمير.

ـ كيف تدعي يا رجل بأنني أرسلتك إلى أوراهم والقوم طالبا منهم العودة؟ هل إلتقينا قبل اليوم؟ متى وأين كان ذلك؟

ـ لا يا سيدي، لم أقل أننا إلتقينا بشكل مباشر وأنك أرسلتني إليهم وطلبت مني إخبارهم بالعودة.

ـ ولكن ماذا قلت؟

ـ قلت لهم أن شخصا يدعى حسن هو الذي جاء وأخبرنا أنا وأهل بيبالك بأن الأمير غير مرتاح لمغادرة أهل اقري ومالختا لديارهم صوب تياري، وأنه يريد منهم العودة إلى قراهم بين أهلهم وعشيرتهم ، وهو سيضمن سلامتهم من كل إعتداء من قبل أيّ كان.

ـ ومن هو حسن هذا يا زيّا؟

ـ أعتقد أنه من أهل بيتكاري، على الطرف الآخر من الزاب.

ـ لا أعرف أحدا بهذا الإسم ولم أقل هذا الكلام لأحد. إمّا أنك تكذب يا زيّا أو أن أحد كذب عليك وعلى أهل بيبالك للإيقاع بكم وبأهلكم خاصة الذين كانوا قد غادروا إلى تياري.

ـ وماذا نفعل الآن يا أميرنا الموقّر؟

 

 

ـ لا أدري يا أوراهم، فأنت تعرف مدى إحترامي لك والعشرة التي بيننا ولكن الأمور خارج سلطتي. ألم تسمعوا بالفرمان الذي أصدره سعادة السلطان مؤخرا والذي ينص على الحكم بالموت على كل المتمردين على الدولة؟

ـ ولكننا لسنا متمردين يا أميرنا، وأنت تعلم ذلك وقد شرحت لك موقفنا. ألا تستطيع أن تشفع لنا لدى السلطات الرسمية وتوضح لهم موقفنا وتضمن لهم ولاءنا لك وللسلطان المعظم؟

ـ الأمور تختلف الآن عمّا كانت عليه سابقا يا أوراهم، فأنا ما عدت أملك تلك السلطة التي كانت لدي من قبل. الآن وبعد أن إستلم الأتراك الشباب من جماعة الإتحاد والترقي السلطة الحقيقية في الأستانة، أصبح كل شئ بيد الولاة والحكام والموظفين الأتراك الذين يأتمرون بأوامر الضباط والقادة العسكريين المرسلين من العاصمة، خاصّة الآن في فترة الحرب.

ـ وما هو الحل إذن يا أمير؟

ـ لا أدري ماذا أقول لك يا أوراهم. أعتقد أن قضيتكم لم تعد عندي بل إنها من إختصاص الحاكم التركي في العمادية.

ـ هل علينا الذهاب إلى العمادية؟

ـ أخشى ان الأمر كذلك يا أوراهم وأنا آسف جدا لعدم إستطاعتي أن أعمل شيئا لمساعدتكم.

ـ هل هذا آخر ما تقوله لنا يا حضرة الأمير؟

ـ لا ليس هذا الشئ الأخير، بل أقول لكم مع كل الأسف أنكم يجب أن تتجهوا إلى العمادية الآن رجالا ونساءا وأطفالا وسيرافقكم رجال مسلحون لكي لا تقترفوا حماقة أخرى قد تؤدي بكم للهلاك، ولكي لا يتم إتهامي بالتواطؤ معكم كخارجين عن القانون.

ـ وماذا سيطلب منا في العمادية حسب ظنّك يا أمير؟

ـ أخشى أن يكون ثمن المغفرة غاليا.

ـ كيف، ماذا تقصد يا أمير؟

ـ أظن أنهم سيطلبوا منكم ترك عقيدتكم كثمن للعفو عنكم.

ـ ماذا تقول يا أمير؟

ـ كما سمعت يا أوراهم.

ـ لكن هل ترك أهل قرى غرب بروار الذين ما زالوا في قراهم ديانتهم؟

ـ لا يا أوراهم ، فهم لم يغادروا قراهم ولا أحد يتهمهم بالخيانة،  لذلك فهم غير مشمولين بالفرمان الجديد القاضي بقتل المتمردين على الدولة الذين لا شفاعة لهم سوى الدخول في الإسلام.

ـ لكننا لم نتمرد كما أوضحت لك.

ـ تستطيع شرح ذلك للحاكم التركي في العمادية وإقناعه بذلك، أما أنا فلا أستطيع ذلك ولن أخاطر بنفسي وبعائلتي وبقومي وأتستر عليكم، لأن عيون السلطات في كل مكان وهم الآن على علم بوجودكم هنا وبكل ما فعلتموه منذ غادرتم إلى تياري ولحد هذه اللحظة. إذهبوا إلى العمادية وسلموا أموركم لله سبحانه وتعالى. كان الله في عونك وعون أهلك يا أوراهم وأرجوا المعذرة لعدم قدرتي على مساعدتكم بشئ.