على ضفاف
نهر الزاب
بقلم: داود
بيت ابونا
الحلقة
الثانية ــ وداعا أرض الأجداد
يسمع
صوت رصاص في أسفل الجبل
ويتصاعد الصوت
تدريجيا ممتزجا
بصراخ رجال.
ـ ما هذا الضجيج
وصوت الرصاص يا
ولدي انويا؟
ـ لا أدري يا
والدي ،
لكنه كما يبدو
قتال بين رجال
العشائر على غنائم
وأسلاب جنوها من
غزواتهم العدوانية
على المساكين من
أبناء شعبنا في
تياري.
بعد قليل
يدخل لازار وعلامات
التعب والقلق على
وجهه.
ـ ماذا يجري
يا لازار لماذا
يتقاتل رجال العشائرالكردية
بالقرب من قريتنا؟
ـ لا
يا عمي ، القتال
ليس بين أبناء
العشائر الكردية
أنفسهم.
كنت في الحقول
أسفل القرية حينما
سمعت صوت الرصاص
، فحاولت معرفة
الأمر ورأيت مسلحين يطلقون
الرصاص على بعضهم
ولكن بعضهم بملابس آشورية.
إنه قتال بين آشوريين
وأكراد.
ـ ولكن من هم
الآشوريون الذين
يقاتلون الأكراد؟ ألم نقل لكم
أن تبتعدوا عن
العنف مع جيراننا
مهما حصل حتى لو
بدأوا هم التحرش
بكم؟
ـ لا يا عمي
، ليس الآشوريون
من قريتنا ولا
من مالختا أو بيبالك
، القتال يجري
قرب الزاب ولا
أحد من أبناء قرانا
نزل إلى الزاب
هذا الصباح. نحن
الشباب من القرى
الثلاث ملتزمون
بما قررتموه أنتم
الكبار ولا نحمل
السلاح معنا في
أعمالنا ، لا في
الحقول ولا في
الجبل لعدم إثارة
الجيران والغرباء
من رجال العشائر
وإعطائهم مبرر
لبدء المشاكل ، ولا أعتقد
أن أحدا من الشباب
يجرؤ على مخالفة
توجيهاتكم. ربما
يكونون من تياري عبروا
الجبل إلى ناحيتنا
لإيقاف التجاوزات
المستمرة على قراهم
ومصالحهم. على
كل حال سنحاول
إستجلاء الأمر
وإخباركم بالحقيقة.
هل تأتي معي يا
انويا؟
ـ دعه هنا يا
لازار فهو ما زال
صغيرا وأخشى أن
يصيبه أذى.
ـ كما تريدين
يا زوجة عمي مامي.
سأذهب لوحدي أو
بصحبة آخرين من شباب القرية.
ـ لماذا تعاملينني
هكذا دائما يا
أمي؟ لم
أعد صغيرا كي تخافي
عليّ إلى هذه الدرجة.
ـ أنها هكذا
منذ أن غرق شقيقك
الأكبر في الزاب.
أنت كنت يومها
طفلا صغيرا ولا
تتذكر تلك الكارثة
التي ألمّت بنا. طبعا يقول
خامس هذه الكلمات
بصوت خافت كي لا
يذ ّكر زوجته مامي
بالمأساة التي
لا تزال تؤرّقها
رغم مرور زمن طويل
عليها. فإبنهما
البكر كوركيس غرق
في الزاب قبل زمن
طويل وكان في الرابعة
عشرة من عمره وكانت
يومها كارثة كبيرة
لأن أمور كهذه
تبدو عظيمة أيام
السلم ، عكس أيام
الحرب حيث يصبح
الموت أمرا طبيعيا
يحدث كل يوم بل
كل ساعة أحيانا
، وكثيرا ما يكون
جماعيا فيموت الناس
بالجملة وتحدث
فضائع أخرى أشدّ
وأقسى تجعل من
الموت رحمة يتمنّاها
الكثيرون.
يرتفع صوت الإطلاقات
النارية والصراخ
، ويبدو أن المتقاتلين
يقتربون من اقري.
أغلب الرجال يتركون
أعمالهم و يعودون
إلى القرية بعد
سماع الأصوات ويضطرّون لحمل أسلحتهم
إستعدادا للأمر
والدفاع عن أنفسهم
وعوائلهم ولكي
لا يؤخذوا على
حين غرّة ، فالأمر تجاوز
مسألة الإنتظار
وتحاشى إثارة الجيران.
يصعد بعضهم على
سطوح المنازل وآخرون
يسدّون مداخل القرية.
يستمر صوت الرصاص
ويقترب تدريجيا
من اقري ، وبعد
قليل تصل مجموعة
من الرجال بالزي
الآشوري إلى مشارف
القرية.
ـ قفوا مكانكم
ولا تقتربوا وإلا
أطلقنا عليكم النار،
صاح لازار باللغة
الكردية من على
سطح بيته المطل
على الطريق.
ـ لماذا تتكلم
معنا بالكردية
؟ ألا ترى أننا آشوريون
مثلك؟
ـ كيف لي أن
أعرفكم ، ربما
تكونون متنكرين
بالزي الآشوري.
ـ لا يا أخي
، نحن من تياري
جئنا لنطرد الغرباء
من أرضكم ونحرركم
من ظلمهم وتجاوزاتهم
ونبعدهم من حدود
منطقتنا وننهي
إعتداءاتهم على
قرانا. إسمحوا
لنا بالدخول والتحدث
مع رئيس القرية
أو وجهائها. أليست
هذه قرية اقري؟
ـ نعم إنكم
الآن في
اقري. إنتظروا
هناك لحين وصول
أعمامي وأخي القس
كوريال والآخرين.
بعد قليل
تصل مجموعة من
كبار السن إلى
المكان من ضمنهم
خامس اوشانا وشقيقه
دانيال وابن أخيهما
القس كوريال.
ـ من هؤلاء
يا لازار؟ وهل
هم فعلا من تياري؟
ـ إنهم
يدّعون ذلك يا
عمي ويتكلمون اللهجة
التيارية ولكن
علينا التأكّد
من ذلك قبل أن نمنحهم
ثقتنا ونسمح لهم
بالدخول إلى قريتنا.
ـ من أي منطقة
من تياري أنتم يا إخوتنا؟
ـ نحن مختلطون
من عدّة قرى ، من
بيراوولي وبني
بيلاثا ومن قرى
أخرى.
ـ نعم
أنا من أولاد عمومتكم
من بيراوولي. وقد
سمعت الكبار من
أهلي يقولون مرارا
بأنكم أنتم أهل
اقري ومالختا وبيبالك
وخوارا وكذلك أهل
كليّا في دوري كلكم أقارب
لنا ، وكنّا قلقين
عليكم وعلى كل
أبناء شعبنا في بروار طوال
هذه المدة من ظلم
رجال رشيد بك والغرباء
من رجال العشائرالقادمين
من مناطق أخرى
بعيدة ، لذلك قمنا
بهذا الهجوم لطردهم
وحمايتكم من تجاوزاتهم
وإعتداءاتهم.
ـ وهل
جئتم بأمر من ملّك
برخو؟
ـ لا
، لا ندري إن كان
ملّك برخو على
علم بما فعلناه
، المهم إننا طردنا
الأعداء من منطقتكم
وولوا هاربين إلى
الجنوب عبر جبال
متينة دون رجعة
بحول الله.
ـ هل
أنتم المجموعة
الوحيدة أم هناك
مجموعات اخرى؟
ـ لا
لسنا لوحدنا ،
بل هناك مجموعات
من رجال القرى
التيارية الأخرى
تعمل على تحريرالقرى
الآشورية القريبة
منها في بروار
والتي لهم أقارب
فيها، فنحن نريد
طرد الأعداء من
المنطقة كلها.
ـ ولكن
هل أنتم
قادرون على منعهم
من العودة ، وماذا
تنتظرون من رشيد
بك والقوات التركية
؟ هل سيسكتون على
ما فعلتم؟
ـ سنقاتلهم
جميعا ونقضي عليهم
، وسترون ذلك قريبا.
ـ هذه
أحلام جميلة ،
نتمنى جميعا أن
تتحقق ، لكن الواقع
يقول غير ذلك يا
أولادي. لقد تعجّلتم
بقراركم وفعلتكم
هذه ، وأدخلتم
أنفسكم ونحن أيضا
معكم في ورطة كبيرة
سندفع جميعا ثمنا
غاليا لها ، لأن
الأعداء يعتقدون
الآن أنكم جئتم
بطلب منّا ولن
يصفحوا عنّا هذه
المرة ، فالكثير
منهم كان ينتظر
الفرصة والمبررات
لإتهامنا بالخيانة
وإقناع رشيد بك
بذلك كي يسمح لهم
بمهاجمتنا والفتك
بنا والإستيلاء
على أرضنا. هاهي
الفرصة قد توفرت
لهم دون عناء. ألم
يكن الأجدر بكم
الترّيث وطرح الموضوع
على قائدكم العاقل
ملّك برخو ، الذي
لا يمكن أن يقع
في خطأ مثل هذا.
ـ لماذا
تعتبره خطأ يا
عم خامس ونحن جئنا
لتحريركم؟ هل هذا
هو جزاؤنا ؟ ألا
تعلمون أن العديد
من القرى البروارية
قد تم إخلاءها
إلى تياري لحمايتهم
من القتل وسبي
النساء والأطفال
وتحويل الناس عن
دينهم بالقوة ،
كما يحصل في مناطق
أخرى عديدة يصعب
علينا بلوغها وإخلائها
إلى تياري لحمايتها.
إن المظالم وصلت
الى حدود لايمكن
السكوت عنها. ولن
نسمح أن يحصل لكم
نفس ما يحصل لهؤلاء.
ـ لا
يا ولدي ، إن ما
قمتم به لن يحررنا
بل سيجلب لنا الشر
والبلاء. ثم لماذا
تعتقدون أننا لا
نستطيع طرد الغرباء
من منطقتنا بأنفسنا.
إن عددنا في منطقة
شرق بروار أضعاف
عددهم ونحن لا
نفتقرإلى الرجولة
حيث أننا كما قلتم
قبل قليل أبناء
عمومتكم ويجري
في عروقنا نفس
الدم الذي يجري
في عروقكم. كلما
في الأمرأننا لا
نميل إلى
التهور والقيام
بأعمال طائشة ،
وظروفنا تحتم علينا
التروّي والتمعّن
في الأمور ودراستها
من كل جوانبها
قبل التصرّف كي
لا نجد أنفسنا
في موقف لا ينفع
بعده الندم ، فلدينا
عوائل يجب الحفاظ
عليها وإعالتها
وإبعاد الشرور
عنها ، وهذه الأرض
لها علينا حق ويجب
حمايتها أيضا وعدم
السماح للطامعين
بها بالإستيلاء
عليها كما فعلوا
في مناطق شتّى
، فهي أرض أجدادنا
سال عليها عرق
غزير لتحويلها
إلى ما هي عليه
الآن من جنائن
، وكم سالت من دماء
زكية ودموع للحفاظ
عليها. هل نغامر
ونتركها لغيرنا
بسهولة؟ لا يا
ولدي الأمر في
غاية الأهمية والخطورة
ولا يجوز تهوين
الأمور هكذا.
ـ هل
كان ما فعلناه
وكل ما بذلناه
لتحريركم خطأً
يا عم؟ أم أنكم
أهل بروار هكذا
دائما تخشون رشيد
بك وجلاوزته؟ ما
العمل الآن؟
ـ لا
نستطيع أن نعيد
عجلة الزمن إلى
الوراء ، فقد فعلتم
ما فعلتم وقضي
الأمر. دعونا نفكر نحن
الكبارمن أهل المنطقة
لإيجاد مخرج من
هذا المأزق بطريقة مناسبة
وبأقل الخسائر.
أمّا أنتم فيمكن
لكم تناول بعض
الطعام
والمبيت هنا الليلة
وعدم القيام بأي
عمل دون معرفتنا
وموافقتنا ، وغداً
صباحاً سنواصل
الحديث معكم في
هذا الموضوع.
يتوزع
المقاتلون من أهل
تياري على البيوت
في القرى الثلاثة
لتناول الطعام
ويتم تضميد جروح
من أصيب منهم في
القتال. أمّا الرجال
من اقري ومالختا
وبيبالك فيجتمعون
في باحة الكنيسة
تحت حراسة مجموعة
من الشباب ، لدراسة
الموقف الصعب الذي
وجدوا انفسهم فيه.
ـ ما
رأيكم بالمصيبة
التي نحن فيها
يا رجال؟
ـ إنها
فعلا مصيبة كبيرة
يا اوراهم ، بل
كارثة لا تحمد
عقباها.
ـ إنهم
دائما هكذا لا
يجلبون لنا سوى
المصائب والخراب.
ـ من
تقصد يا شامانا؟
ـ هؤلاء
التياريون الذين
لا يتركوننا وشأننا
، وهم دائما مصدرا
للقلق والمشاكل
في المنطقة. يجلبون
الكوارث لأنفسهم
ولنا. إن جيرتهم
لنا كانت دائما
وبالا علينا.
ـ هل
تنظر إلى المسألة
بهذا الشكل وبهذه
السطحية يا شامانا؟
ـ وكيف
تنظر إليها أنت
يا دانيال؟
ـ ما
ذنبهم أن نكون
بجوارهم وأن يتم
محاربتهم والهجوم
عليهم إنطلاقا
من أرضنا. إن الأمر
على عكس ما تقول
، فأعداؤهم يأتون
من مناطق بعيدة
ويستقرون في منطقتنا
ويتزودون بكل ما
يحتاجونه من قرانا
فنكون بذلك نحن
مصدرالقلق لهم.
هكذا كان الحال
في كل الحروب والمذابح
التي تعرضوا لها
في كل الأزمان
خاصة أثناء مذابح
السفاح بدرخان
بك ، قاتل النساء
والأطفال والشيوخ
، تلك القصص المروعة
التي كان يرويها
المرحوم جدي وغيره
ممن عاصروا الأحداث
وشاهدوا كيف كان
يتم التعامل مع
الأسرى الذين كانوا
يقتلون بوحشية
ودون رحمة ، وكيف
كان يتم بيع الأطفال
والجميلات من النساء
عبيدا وجواري ،
وغير ذلك من الممارسات
التي يندى لها
الجبين. كل هذا
والكثير غيره حدث
لأبناء جلدتنا
في تياري وكانت
منطقتنا مسرحا
له حيث كانت الجزء
الجنوبي من الطوق
الذي كان الأعداء
يضربونه حول تياري
وعموم حكاري للقضاء
على آخر معاقل
شعبنا ، وكان زينل
بك ، آغا منطقتنا
مشاركا فعالا في
كل ذلك.
ـ ما
هذا الكلام يا دانيال؟
إ ن تزويدنا لأعداء
التياريين بما
يحتاجونه هو شئ
مفروض علينا بالقوّة
وليس برغبتنا.
وهل بإمكاننا رفض
ما يطلب منا؟ إننا
قوم ضعفاء ومساكين
ولا قدرة لنا لمواجهة
الدولة والجيران
المتعاوننين معها
، فهم أكثرعددا
ومدججون بالسلاح
، ونحن لا نملك
شئ من مقومات وإمكانيات
الدفاع عن أنفسنا
، فكيف يراد منا
الوقوف بوجه هذا
الجبروت؟
ـ صحيح
ما تقول يا بولص
، لكن هذا لا يغير
شئ من الموضوع
الذي طرحه دانيال.
إن الغزاة الذين
يهاجمون تياري
من الجنوب والقادمون
من مختلف المناطق
يتركّزون هنا ويتزودون
بالطعام وبكل شئ
يحتاجونه من قرانا
ولولا وجودنا وما
نقدمه لهم لكان
من الصعب عليهم
الإستمرار بذلك
ولربما كانوا يضطرون
إلى الإنسحاب.
ـ لا
أدري ماذا أصابكم
أنتم أهل اقري
، فتفكيركم يبدوا
غريبا هذه الأيام.
ـ لكن
ما يقوله خامس
ودانيال صحيح ،
ولا أدري ما هو
الخطأ فيه. إنه
من الواضح أن جهود
الأعداء تتجه للقضاء
على شعبنا كله
، ودورنا آت لامحالة
والمسألة مـسألة
وقت فقط لا غير.
إنهم يريدون الإبقاء
علينا الآن فقط
لحاجتهم لخدماتنا
كعبيد وخدم نزودهم
بما يحتاجونه من
طعام وشراب ومأوى.
وما أن يفرغوا
من التياريين حتى
يأتي دورنا.
ـ حتى
أنتم أهل مالختا
أصابكم ما أصاب
أهل اقري وتفكّرون
بنفس طريقتهم.
ماذا دهاكم يا
قوم وماذا تنتظرون؟
لما لا تحملون
السلاح وتقاتلون
إلى جانبهم وتعرضوا
منطقتنا إلى الخراب
والدمار؟
ـ لا
يا شمّو، لا نرغب
أبدا في تدمير
قرانا وتشريد عوائلنا
، وأنت تعلم ذلك
جيدا وأفضل من
غيرك ، حيث تعرف
كم نحن حريصون
على أرضنا وأعراضنا
ومستقبل أولادنا
وأحفادنا ، لكن
ما نقوله يدخل
ضمن فهمنا الصحيح
لحقيقة ما يجري
حولنا من أحداث
وما هو واقع فعلا.
فالحرب جارية على
قدم وساق في كل
مكان من حولنا
والفرق بين المعتدي
والمعتدى عليه
واضح وضوح الشمس
، على الأقل فيما
يخص معاناة شعبنا
وما يقترفه الأعداء
بحقه من جرائم
بشعة قلّ نظيرها
في التأريخ.
ـ لا
أرى حاجة للدخول
في هذه التفاصيل
والأمور البديهية
، فنحن مجتمعون
هنا اليوم للتداول
ومناقشة أمر في
غاية الأهمية والخطورة
يتطلب منّا التركيز
وعدم إضاعة الوقت
، الذي لم يعد لدينا
متسعا منه ، في
جدالات بيزنطية
تضر ولا تنفع. إننا
هنا من أجل إيجاد
سبيل لتفادي ما
لا يرضينا جميعا.
ألآن أصبحت خياراتنا
قليلة ولم يعد
بالإمكان أن نستمر
بإمساك العصا من
وسطها ، وقد لا
يكون أمامنا سوى
الإختيار بين أمرين
فقط ، الإلتحاق
بأبناء شعبنا وتحمل
النتائج المترتبة
على ذلك ، أوالبقاء
هنا والرضوخ لكل
ما يفرضه الأعداء
علينا ، والذي
قد يصل إلى مديات
لا يمكن للبعض
أن يتصوّرها.
ـ ماذا
تقصد يا اوراهم؟ إلى أين يمكن
أن تصل الأمور؟
ـ إلى
ترك العقيدة أوالتعرض
إلى القتل الجماعي
للرجال وسبي النساء
والأطفال مثلما
حصل كثيرا ، كما
روى لكم الأخ دانيال
قبل قليل ، وهي
مرارات إعتاد شعبنا
على إجتراعها بين
الحين والآخر وضريبة
مفروضة عليه منذ
زمن بعيد لأسباب
عديدة ، منها التغير
المستمر في الوضع
الديموغرافي وميزان
القوى في المنطقة
لغير صالحنا وتمزق
وتفرق أبناء شعبنا
بين ولاءات لطوائف
وقبائل وأخرى غيرها
على حساب الولاء
للشعب وللوطن ،
وطمع الآخرين بأرضنا
وأملاكنا وإستعدادهم
على إقتراف كل
المحرمات من أجل
سلبها والتمتع
بخيراتها.
ـ ماذا
ترى الآن يا أخ
اوراهم؟ هل يمكن
لك أن تتصل بالحاج
رشيد بك وتعلمه
بأننا لا ذنب لنا
فيما حصل وأن التياريين
تصرفوا بالضد من
إرادتنا.
ـ لا
أعتقد أنّ الوقت
يتسع لذلك ، وليس
من السهل إقناعه
وإقناع الآخرين
بهذا الكلام ،
لكنني لن أوفر
جهدا للإتصال به
وسأحاول أن أعمل
المستحيل من أجل
إنقاذ ما يمكن
إنقاذه.
ـ ما
الصعب في الأمر
يا اوراهم؟ إن
الأمير يحترمك
ويثق بك ومن المؤكد
أنّه سيأخذ برأيك
ويفهم موقفنا ،
وأعتقد بأنه يستطيع
إقناع ألحكومة
التركية بكوننا
رعايا مخلصين لها
ولا علاقة لنا
بما يفعله الآخرون.
أليس هذا صحيحا
يا قس كوريال؟
ـ اتمنى
أن يكون الأمر
كذلك يا شمّو،
ولكن المسألة مختلفة
هذه المرة عن سابقاتها. فالحكومة
قد تغيرت وتغير
نهجها تجاه الشعوب
، ولم يعد السلطان
ووكلاؤه السابقون
أمثال الحاج رشيد
بك وغيره هم أصحاب القرارالنهائي
، بل هناك
مجموعة من الشباب
الطائش المتعصب
لكل ما هو تركي
، إستلموا السلطة
الحقيقية ويعملون
من أجل تحقيق أحلام
وأهداف قومية كبيرة يعيقها وجود
شعوب أخرى لها
خصوصياتها اللغوية
والدينية في قلب
إمبراطوريتهم
، ومن أجل تحقيق
هذا الطموح ينبغي
تغييرالواقع السائد
وتحويل هذه الشعوب
غيرالإسلامية
عن معتقداتها كخطوة
اولى ومن ثم القيام
بالخطوات الأخرى
اللازمة لإكمال
المخطط.
ـ لم
نفهم شيئا مما
قلته يا قس كوريال
، وما شأننا نحن
بكل هذا الكلام؟
كل ما نريده ونطلبه
هو رضى الأمير
وعطفه وعطف السلطان
وعفوه. ولا نريد
أن نتدخل في أمورلا
تعنينا ولا قدرة
لنا على فهمها.
إن سبب بلائنا
هو هؤلاء التياريون
الذين يجب علينا
طردهم وإخراجهم
من قرانا قبل فوات
الأوان. فلولا
تمردهم المستمر
وأعمال الشغب التي
يقومون بها دائما
ضد الدولة ووكلائها
لما تعرضوا لحملات
التأديب من جيوش
الدولة والعشائر
الكردية المتعاونة
معها ، ولما وجدنا
أنفسنا في هذا
المأزق الذي نحن
فيه الآن.
ـ ما
هذا الكلام غير
المسؤول يا بولص؟
إن كنت أنت تقول
هذا فلا عتب على
الأعداء. إذا كان
ما تقوله صحيح
فما هو تفسيرك
لما يتعرض له أبناء
شعبنا من الطوائف
الأخرى كالسريان
والكلدان وغيرهم من مذابح
ومآسي رغم أن قياداتهم
الروحية تعلن بإستمرار
ولاءها الكامل
للسلطة التركية
ويؤدي أبناؤها
الخدمة الإلزامية
في الجيش التركي
ويدفعون ما يفرض
عليهم من ضرائب
جائرة كاملة
غير منقوصة وبشكل
دائم حسب ما يرضي
مشيئة وجشع جباة الدولة
والآغوات وغيرهم
من الطفيليين مصاصي
الدماء.
يستمر
النقاش ساعات طويلة
دون نتيجة ، بل
تزداد وتتعمق الإختلافات
، ويظهر بشكل واضح
رأيان متناقضان
، أحدهما يرى ضرورة
تقديم كل التنازلات
المحتملة في سبيل
إرضاء السلطات
التركية ورشيد
بك وغيره ، والثاني
يرى بأن الموقف
ما عاد يتحمل تنازلات
أكثر من التي تم
تقديمها وأن الوقت
قد حان لإتخاذ
الموقف الصائب
والمبدئي من المسألة
، مع إدراك أصحاب
هذا الرأي بأن
هذا سيكلفهم غاليا
، غيرأنهم يرون
بأن المزيد من
التنازل يعني التخلي
عن كل شئ
مما تبقّى لهم
، حتى العقيدة.
ورغم هذا التباين
في الرأي إلا أن
الرجال من القرى
الثلاث اتفقوا
على ضرورة عدم
إعلان خلافاتهم والتريث
وعدم الإسراع في إظهار
حقيقة الموقف لعوائلهم لعدم إدخال
الرعب في نفوس
النساء والأطفال
، ومنعا للتهورالذي
قد يقود الشباب
إلى إرتكاب حماقات
يصعب السيطرة على
نتائجها فيما بعد
، وتحرمهم من إمكانية
المناورة في حالة توفر فرص
لتفادي الكارثة
وتجاوز هذا الموقف
الصعب بالطرق السلمية. وتم الإتفاق
على صيغة مرنة
للتعامل مع الموقف
، بأن يتم ترك القرار
النهائي للمستجدات
، فإذا بقيت الأمور
على ما هي عليه
الآن أو حصلت مفاجآت
غير متوقعة ، كأ
ن تنتهي الحرب
ويتم إنهاء هذه
الأوضاع الشاذة
، أو أن يخسرالأتراك
الحرب وتفرض عليهم
وعلى حلفائهم من
العشائر الكردية
شروط إنهاء أعمال
القتل والسلب والنهب
وأشكال المظالم
بحق شعبنا ، فخير
على خير، أمّا
في حالة عودة جيش
السلطة ورجال العشائر
الكردية وتمكنهم من السيطرة
على المنطقة وإنسحاب
التياريين منها
، سيكون لكل طرف
حق التصرف بالشكل
الذي يراه ، إمّا
البقاء والإمتثال
لمشيئة السلطة
ووكلائها أو الرحيل
إلى تياري مع المنسحبين
من أبنائها.
بعد أيّام
قليلة بدأت الأمور
تتضح ، ونتيجة
للقتال
في الجزء
الشرقي من بروار
بين التياريين
من جهة والأكراد
والجيش التركي
من جهة أخرى ، يتم
إفراغ أغلب القرى
الآشورية المتبقّية
في هذه المنطقة
ويرحل أهلها إلى
تياري تاركين وراءهم
كل شئ ، وتخلى القرى
الكردية أيضا ويهرب
أهلها بإتجاه الجنوب
والغرب ، ولم تعد
الطرق سالكة للإتصال
بالحاج
رشيد بك الذي
يقع مقره في المنطقة
الغربية من بروار،
ويصبح الإنتظار
لمدة أطول دون
جدوى ، بل يضعف
فرص النجاة وإبعاد
النساء والأطفال
عن الساحة التي
لم تعد آمنة ولم
يعد معلوما ما
سيجري عليها في
الأيام المقبلة
، لذا تتطلب المسألة
السرعة في إتخاد
القرار وحسم الأمر
بين الخيارين ،
البقاء أم الرحيل
وما يعنيه كل واحد
من هذين الخيارين
المريرين وما يحمله
من آلام ومآسي.
وبما أن الموقف
قد نوقش من قبل
في الإجتماع الموسع في الكنيسة قبل أيّام
ولم يتغيرفيه شئ
نحو الأفضل بل
بالعكس تسير الأمور
من سـئ إلى أسوأ
، لذلك يقرر أهل
اقري ومالختا بمرارة
، الرحيل عن أرضهم
وترك البيوت والحقول
ومراقد الآباء
والأجداد والمقدسات
والذكريات وكل
شئ ، من أجل الأقدس
من بينها كلها
، العقيدة ، والإنسان
حامل العقيدة ولوائها
وناقلها من جيل
إلى جيل. يقررون
الرحيل وترك الجانب
المادي من الحياة
من أجل جانبها
الروحي ، لأن من
يفقد الروح يفقد
كل شئ ، أمّا المادة
المفقودة فربما تتاح
فرص لإسترجاعها
أو تعويضها فيما
بعد.
في يوم
من أيام شهر أيار
يبدأ الرحيل. العشرات
من العوائل ، رجال
ونساء ، شيوخ وأطفال
، ومعهم
ما يسهل حمله
من متاع الدنيا
محملا على ظهورهم وظهورما
لديهم من دواب
، يسرعون هاربين
من قراهم ، تاركين وراءهم
في البيوت والحقول
كل شئ مما يصعب
مفارقته وتركه.
الأقدام تسير ببطء
نحوالأمام والحزن
يملأ القلوب والدموع تنهمرعلى
الخدود والوجوه
تبقى ملتفتة إلى
الوراء تأبى تصديق
الحقيقة ، حقيقة
الفراق الذي لا
أحد يعلم نهايته
، وربما يكون أبديا،
الكل يحاول إلقاء
النظرات الأخيرة
على البيوت والأشجار
والصخور والقمم
العالية وكل ما سيبقى
تحت رحمة الأعداء
، فمن يعلم ما الذي
سيجري وكيف ستكون
النهاية. يتجه
أهل مالختا
إلى اقري و يتجه
الجميع إلى كنيسة
مريم العذراء لتوديعها
وتوديع الراقدين
على أرضها وفي
رعايتها من أحباب
فارقوا الحياة
الدنيا في ظروف
مختلفة ومتنوعة
، هذا الوداع هو
الأصعب والأكثر
ايلاما ، يدخل
الجميع إلى الكنيسة
للصلاة لكن بطريقة
مختلفة هذه المرة
حيث يجب الإسراع
بالمغادرة فالأعداء
قاب قوسين أو أدنى
ووصولهم أصبح متوقعا
في أية لحظة. يخرج
الجمع من الكنيسة
في عجلة ، البعض
يقبّل بابها وجدرانها
وآخرون يودّعون
قبورالأعزاء ،
والنساء يهرولن
باكيات بين هذا
القبر وذاك. القس
كوريال والشمامسة
يحملون الصليب
والكتب الدينية
وكل ما هو مقدس
لكي لا يتم تدنيسه
من قبل الغزاة
كما يفعلون دائما.
تستمر المسيرة
بإتجاه أسفل الجبل
ومن ثم إلى جسر
بلبل على الزاب.
تعبر الجموع إلى
الضفة الشرقية
وتتجه شمالا بإتجاه تياري
من خلال
منطقة نروى. الرجال
من القريتين ومعهم
البعض من التياريين
يحرسون المسيرة
من مختلف الجهات
لحمايتها من غارات
الأعداء المتوقعة.
بعد مسيرة
طويلة وشاقة طوال
النهار تصل الجموع
إلى منطقة قريبة
من تياري. ينال التعب من الجميع ،
خاصة النساء والأطفال
والشيوخ. الكل
بحاجة إلى الراحة
لذلك يتم إختيار
مكان تحت أشجار
البلوط وبالقرب
من ينبوع ماء لقضاء
الليلة أو جزء
منها. يتم وضع حراسات
على مختلف الجهات
لتأمين سلامة العوائل
ومنع وصول الأعداء
اليها. يأخذ الجميع
قسطا من الراحة
ويتناولون شئ من
الطعام ، وعند
بزوغ الفجر تتواصل
المسيرة لبلوغ
هدفها ، الوصول
إلى تياري ، برالأمان
بعيدا عن متناول
الأعداء ، لكن
من يدري إلى متى
تستطيع تياري الصمود.
وإن لم تستطع الصمود
فأين المفر وإلى
أين سيتجه القوم؟
أسئلة كثيرة تقّض
المضاجع ولا أحد
يستطيع إجابتها.
الكل يصلي من أجل
السلام ويعيش على
الأمل والحلم الجميل
، حلم انتهاء الحرب
بشكل يضمن لهم
العيش بسلام وأمان
وكرامة مع الجيران
دون تجاوزات ودون
إكراه للناس على
ترك معتقداتهم
، دون قتل وتدمير
وسلب وسبي النساء
والأطفال ، دون
طمع بأراضي الغير
والإستيلاء عليها
بالقوة ، أحلام
رائعة وممكنة التحقيق
لو آمن بها الطرف
الآخر من المعادلة.
لكن كم من الوقت
سيمضي إلى أن يفهم
ذلك الطرف معنى
السلام والتسامح
والمحبة والعدالة؟
وكم من روح بريئة
ستزهق قبل
أن يدرك المعتدي
جسامة فعلته المنكرة
ويشبع جوع غريزته
الوحشية العمياء
؟ ما هو ذنب الأبرياء
من الناس أن يعيش
بجوارهم من لا
يفهم كل هذه الأمورلا
بل حتى بعضها. أناس
لا يعرفون معنى
للحياة ولا يرون
منها سوى جانبها
المظلم ، ولا يدركون
مغزى الوجود وغايته.
أناس ينظرون إلى
الآخرين كمخلوقات
من درجات أدنى
خلقها الله فرائس يحق
لهم إصطيادها أو
أهداف يجربون فيهم
فاعلية أسلحتهم
، يتلذذون في قتلهم
والتنكيل بهم وممارسة
كل قبيح من الأفعال
بحقهم ، وينظرون
إلى ممتلكاتهم
وأرضهم كغنائم
وجنائن وعدهم الله
بها ، وإلى نسائهم
وأطفالهم كجواري
وغلمان ، يتقاسمونها
فيما بينهم حسب
درجات القربى إلى
طغاتهم وحسب درجات
الوحشية والإبداع
في قتل الأبرياء
العزّل وسفك الدماء.
في نهاية
المطاف يصل القوم
إلى تياري ويمرون
على بضعة قرى في
الطريق قبل أن
يصلوا إلى أقاربهم
في بيراوولي حيث
يستقبلهم أهلها
بحرارة شاكرين
الرب على سلامتهم.
يتم توزيع العوائل
على بيوت القرية
ويقدم لهم الطعام
والشراب كما هي
العادة وتقاليد
الكرم السائدة
عند العشائر الآشورية.
تمضي الأيام الأولى
بسلام وهدوء قياسا
لماهوعليه الحال
في بروار حيث أن
بيراوولي بعيدة
نوعا ما عن المناطق
الساخنة التي تجري
فيها المعارك الآن
، فالضغط الشديد
لايزال مركّزا على مناطق
أخرى مختلفة من
البلاد ، خاصة
على الجهة الغربية
من تياري الواقعة
على الضفة اليمنى
للزاب ، حيث الهجوم
الكبير للجيش التركي
والعشائر الكردية
المتجمعة في بروار،
الحدود الجنوبية
لتياري ، ذلك الهجوم
الذي يدمّر ويحرق
كل شئ أمامه ولا
يبقي كالعادة على
حياة أو عمران.
العوائل تعبر إلى
الضفة اليسرى من
الزاب عبرالجسر
الرابط بين ليزان
وكيماني والرجال
الشجعان يستميتون
في الدفاع عن القرى
لتعطيل الغزاة
لحين اكتمال عبور
النساء والأطفال
والشيوخ ، وقذائف
المدافع الحديثة
التي وهبها الحلفاء
الألمان للجيش
التركي تتساقط
عليهم كالأمطار
مع الرشاشات والقنابل
اليدوية وغيرها
من الأسلحة الحديثة
التي أصبحت بحوزة
الجيش وكذلك العشائرالكردية
، بينما الآشوريون
لا يزالون يستعملون
بنادق الحشو والدّك
، أي " الششخانة
" كما يسميها
الناس المحليون.
القوم في ترقب
شديد للأحداث لأنهم
على علم بأن الحرب
قادمة وستصل إليهم
قريبا لا محالة
، من الغرب وكذلك
من جهة جال حيث
تبدأ العشائرالكردية
هناك بالهجوم على
وادي سلابكّان
القريب من بيراوولي.
وفعلا يهاجم سعيد
آغا ومعه حلفاؤه
من العشائر شرق
الزاب فيقتلوا
ويحرقوا ويدمروا
ما يجدونه في طريقهم
، لكن ملّّك برخو
ورجاله الشجعان
يلقنوهم درسا قاسيا فيسقط
الأغا صريعا في
ساحة القتال ويلوذ
بالفرار من بقى
من جلاوزته على
قيد الحياة.
بعد انسحاب
المقاتلين من منطقة
وادي ليزان وعبورهم
إلى الجهة الشرقية
للزاب وإحتلال
العدو للضفة الغربية
منه يصبح من الصعب
الاستمرار في الدفاع
عن القرى الواقعة
في الجهة الشرقية
وحمايتها ، لأن
عبور الزاب هي
مسألة وقت فقط
، لذلك يتقررإخلاءها
وترحيل العوائل
شمالا إلى الجبال
العاصية. أمّا
بالنسبة لأهل اقري
ومالختا فيشارك
البعض من الشباب
إخوانهم الآخرين
في القتال ويتجه
الآخرون بالعوائل
إلى الجبال المنيعة
في منطقة ولطو
في تياري العليا
ويبقون هناك حائرين
بإنتظار سير الأحداث
ونتائج المعارك
الدموية. تسوء
الأحوال يوما بعد
يوم ولا يبقى للقوم
من الطعام سوى
الحليب ولحوم ما
تبقّى لهم من الماشية
التي كانوا قد
جلبوها معهم من
قراهم والتي استهلكوا
معظمها ومات بعضها
في ظروف الرحيل
القاسية والإهمال
وشحة الأعلاف والماء
والمأوى وغير ذلك
مما يحتاجه الحيوان
ككائن حي. يتفشّى
المرض بين الأطفال
والشيوخ والنساء
وحتى الرجال من
مختلف الأعمار
لقساوة الظروف
ونقص الغذاء والماء
الصالح وإنعدام
شروط النظافة ،
ولظروف عدم الإستقرار
والخوف وعوامل
أخرى كثيرة. تبدأ
الحيرة
بالسيطرة على
القوم ويأخذ اليأس
والقنوط بالإزدياد
وتبدأ الأسئلة
تزدحم في الرؤوس
دون أجوبة شافية
، فيفرض الندم
نفسه تدريجيا على
الجميع وبدرجات
متفاوتة. ألم يكن
من الأفضل البقاء
في بروار وإنتظار
ما كان سيحدث؟
هل كان سيحدث لهم
ما هو أسوأ مما
يحدث الآن؟ ربما كان
رشيد بك يتفهم
الموقف ويسير كل
شئ على ما يرام
وبشكل طبيعي. من
يدري ما الذي يجري
الآن لأهل بيبالك
وزيّا وعائلته
الذين بقوا هناك
ولم يرحلوا؟ ترى ، هل
هم على قيد الحياة
أم أن الرجال قد
قتلوا وسبيت نساؤهم؟
وإذا كانوا على
قيد الحياة ، فهل
هم على دينهم أم
تم إجبارهم على
تغيير عقيدتهم؟