عبرة من أرض الواقع

بقلم الأستاذ : سالم عيسى تولاز

a

حدثني صديق عن صديقه الصابئي ( المندائي ) فقال : إنه صديق قديم ويعرف عنه كل شيء حتى الخصوصيات التي لايبوح لغيره بها. واستمر الحديث بيننا، إلى أن قال : أني ارثي لحاله ، لأنه يعيش خاله قلق فكري حيث لايعرف عن دينه شيئاً . ولولا ظروفه الأجتماعية لترك دينه! ولكنه لايعرف إلى أي دين ينتمي وأي مذهب منها يختار ؟ ثم استمر في مدح أخلاقه والثناء على سلوكه وأمانته إلى أن قال : ربما سيفعل ذلك قريباً !!

فقلت له : علي به إن شئتَ . وبعد أيام جاء الصديقان، فرحبت بهما كثيراً وطلبت من الأخ المندائي أن يشرح لي ظروفه النفسية غير المستقرة  وأسبابها . فقال : كل ما نقله لك عني صديقي هو صحيحٌُ لأني لا أعرف عن ديني شيئاً وعن طقوسه حرفاً ومن معانيه معنى واحدا. ولا أعرف عنه اكثر مما يعرفه أطفالي باننا ( صابئة ) نؤدي بعض المراسيم والطقوس التي توارثناها أباً عن جد ، ولا أفهم من لغة كتبنا شيءاً ، وبهذا تجدني دائماً في حالة التوتر الشديد والقلق الدائم وعدم الأستقرار النفسي والحيرة من أمري ، وينطبق علي المثل الشعبي ( أطرش بالزفة ) .

فقلت له : أيها الصديق العزيز ، لاتيأس من رحمة ربك وما حالتك هذه إلا دليل إهتمامك في دينك وآخرتك ، وهذا شيء حسن ونقطة إيجابية تشكر عليها . وآعلم أيها الصديق العزيز ، أن دينكم من أقدم الأديان وأعرقها ، ومبادؤه من أسمى المبادئ ، دينكم هو الذي انار الدرب بمشاعل النور وهدي الأيمان . وهدى البشرية إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ، ونبذ الأوثان والأصنام  وظواهر الطبيعة التي كانت سائدة أنذاك، وعانى أصحابه ماعانوه في سبيل نشر المبادئ السامية التي تجعل من الناس جميعاً أخوة يعيشون في كنف المحبة وتحت ظلال السلام . وعانوا من الفواجع ماتقشعر منه الأبدان ويشيب لها الوالدان على أيدي رجال المؤسسة الدينية اليهودية أخبث خلق الله ، الذين حاربوا دينكم بضراوة  وشراسة كما حاربوا بقية الأديان السماوية. فتوالت الهجرات واستمرت المعاناة ، وظل أصحابه وسدنته متمسكون بالمبادئ العالية والمثل السامية معتمدين على جذوره الأصلية. بعد الله تعالى وطقوسه المستمدة من العرافة والأصالة الفائرة في أعمق أعماق التاريخ إلى يومنا هذا ، رغم صعوبة ممارستها وماكان يحل بهم من الويلات إلى أن قل عددهم وأضحى يعد الألوف بعد أن كان يعد بالملايين .

والقلة ياعزيزي ليس عيباً أو سبة أبداً . فكل قليل غالٍ ، لماذا يباع الذهب بالمثاقيل والحديد بالأطنان ؟؟ فالأقلية الدينية أو العرقية العريقة هي جوهرة المجتمع ، لأنها صمدت وعاندت وكافحت وناضلت بشجاعة ونكران ذات إلى أن حافظت على كيانها ووجودها رغم كل الظروف القاسية والصعبة والمغريات الكثيرة للأنتقال إلى دين أخر . متمسكة بمبادئها التي تعتقد أنها الأفضل .

فخذها نصيحة وعبرة أيها الأخ العزيز من شخص لا ينتمي إلى نحلتكم ، ولايمت بصلة القربى إلى اي منكم، ويشهد الله أن لامصلحة شخصية لي في ذلك لامن قريب ولا من بعيد ، ولكن الحق والحياد يجب أن يكونا دين الباحث وهدفه الأسمى .

أن دينكم سامي المبادئ ، جليل القدر ، شريف القصد ، يدعو إلى الخير وينهي عن الشر، أعترفت به الأديان السماوية، وأحترمت رموزه وقدست شخوصه وتناول دراسته علماء الشرق والغرب وألفت فيه وعنه المجلدات العديدة والمؤلفات الكثيرة بحيث لم يتركوا لمستزيد زيادة .

هذا بالأضافة إلى أن الدولة قد أعترفت به رسمياً وتبنت أعياده كباقي الأديان، وأولت أهله كل رعاية وعناية واهتمام . شأنهم في ذلك شأن بقية أبناء الشعب العراق بجميع أديانه وطوائفه وقومياته ولفاته.  

وأما ماتعانيه أنت وأمثالك تجاه دينكم، غسببه أنتم بالذات لاغيركم !! بأبتعادكم عن مصادر نزر اليمان وهدي رسالة السماء، إلا وهي المعبد ( المندائي ) وتعالميه والنادي ومثقفيه . وعدم أتباع أرشادات ونصائح وتعاليم رجال الدين فيكم الذين كرسوا حياتهم لخدمتهم وأيصال مبادئ دينكم إليكم . فلو اقتربت أكثر وقرأت الكتب الدينية أكثر وخالطت بني جلدتك وابتعدت قليلاً عن رفاق السوء والرذيلة والجشع وتكديس الأموال وحاولت أن تتعلم لغة أباغئك واجدادك أي اللغة الندائية التي هي فرع من اللغة الأرامية التي تعتبر من أقدم اللغات واسهل الأبجديات، وظلت لغة التخاطب والتجارة ورجال الحكم فترة طويلة جداً ، ولأقطار عديدة وشعوب مختلفة بعد أنحسار اللغة الأكدية والأشورية، أمتدت من الصين شرقاً وإلى بحر الروم غرباً ، لأطمأنت نفسك وتبت ايمانك وزال عنك الخوف والقلق والهلع من مصيرك في الآخرة .

فكر ايها الصديق العزيز، كيف أن أجدادك العظام قد أخترعوا - الحرف - وكتبوا به ولازال هذا الحرف حياً إلى يومنا هذا بعد أن مرت عليه الاف السنين، وقارن هذا بالأمم الكبيرة التي حكمت وتحكمت في مصائر الكثير من الشعوب كالترك والكرد والفرس والمغول مثلاً ، لم يستطيعوا أن يستنبطوا لهم حرفاً واحداً ليكتبوا به تاريخهم وفتوحاتهم وحضارتهم، فالتجأوا إلى الأستغاثة بالحرف العربي والآرامي حينا واللأتيني حيناً أخر . أنه دليل عجز وتخلف في التفكير وقصورهم في الفهم والأدراك. وتفضيل السيف على القلم. فكم كانوا أجدادك عظاماً بحيث استطاعوا أن يدونوا أفكارهم ويكتبوا تعاليم دينهم ويجبروا علومهم وفلسفتهم على حوليات البرديحيناً وصفائح الرصاص حيناً أخر زالرق والورق فيما بعد .

فمابالك لاتفتخر وتشمخ عالياً بثبات بن قرة وأبنه سنان والصابئيان والبتانب والعلامة عبد الجبار عبد الله وغيرهم كثيرون من أبدعوا كل في مجال عمله وأختصاصه، فأثروا الأنسانية بأبداعاتهم ونظرياتهم التي لاينكرها إلا من كانت على عينيه غشاوه وأمتلأ قلبه حقداً وغيضاً .

ومما يدعوا إلى الفخر والأعتزاز أيضاً أسم المندائي أو المندعي ((          )) تعني بالسريانية صاحب العلوم والفنون . ونعم ما أخترتم ونعم ماأنجزتم .

أرجع يا أخي إلى المنابع الصافية النقية الأصلية لترتشف من معينها العذب مايعينك على الأيمان والأستقرار والثبات. ولتطمئن نفسك ، ولتكن خير قدوة لأولادك وللأجيال القادمة أن شاء الله وإلى ماشاء الله .

 

الأحالات :  

  1 /

 كانت هذه الكلمة قد نشرت في مجلة ( أفاق مندائية ) البغدادية في العدد العاشر 1999 ونالت الأسنمسان الكبير من لدن عدد كبير من القراء. ونشرت بعض تللك التعليقات على صفحات نفس المجلة وإليكم واحدة منها :

 

من ( أبنة المندائي ) : أنا أحدى بناتكم المندائيات. موظفة في أحى دوائر الدولة ، كنتُ اخجل عندما يسألني أحد للأستفسار عن ديني . وأحرج كثيراً إذا ماأراد مني شرحه وتوضيحه.وبالتالي يطلبون مني ترك ديني ! وبقيت على هذا الحال إلى أن قرأت مقالة بعنوان " عبرة من الواقع " ... فكانت ماءً زلالاًً لعطشي، وغذاءً لروحي، وبلسماً لجروحي .. فالكلمات غير كافية للعبير عم شكري لكم ولكاتب المقالة . الأن أستطيع أن أفتخر بأنني صابئة .. وقد صورت المقالة بنسخ كثيرة وأهديتها لمارفي . وقرأتها كثيراً حتى حفظتها عن ظهر القلب ..

 

2/  ثابت بن قرة : ( 836 - 901 ) ولد في حران . رياضي وطبيب وفيلسوف . وعاش في ظل الخليفة المعتصند في بغداد . ونقل إلى العربية وشرح مؤلفات اليونان في الرياضيات والفلك . له " الذخيرة في علم الطب " .

 

3/  سنان بن ثابت بن قرة : أبو سعيد تـــ : 943 طبيب من أصل حراني . نشأ في بغداد . رئيس الأطباء في عهد المقتدر العباسي . عمل في خدمة القاهر .

 

4/  الصابئيان :

 1- أبراهيم بن حلال أبو أسحق ( 925-994 ) أشهر الكتاب في عصره . كان أسلافه يعرفون بصناعة الطب ومال إلى الأدب . وتقلد ديوان الرسائل في دولة بني بويه . أشتهر برسائله . له ديوان شعر و( رسائل الصابي ) حققها ونشرها الأمير شكيب أرسلان.  2- هلال بن المحسن بن ابراهيم : ( 969-1056 ) مؤرخ ولي ديوان الأنشاء ببغداد زمناً ، فقدت مؤلفاته إلا جزء من كتابه " تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء " .

 

5 / البتاني : ( 858-929 ) أبر عبد الله البتاني . من علماء الفلك ، سمي كذلك نسبة إلى ( بتان ) مقاطعة في حران. صرف معظم حياته في مدينه (الرقة ) . له كتاب ( الزيج الصابي ) .

 

 6 / عبد الجبار عبد الله : ولد في قلعة صالح ( 1911 ) من أعمال محافظة ميسان . وتوفي في 9/7/1969 في أمريكا. أكما الأبتدائية والمتوسطة في العمارة. والثانوية في الأعدادية المركزية , أوفد إلى الولايات النتحدة حيث حصل على البكالوريوس في الفيزياء . ثم عاد فأكمل الدكتوراه في مدة قياسية جداً وهي سنة وفان أشهر . بدلاً من أربع سنوات على الأقل . تراس جامعة بغداد (1959) خلفاً للدكتور متي العقراوي . وله مئلفات عديدة في وصاحب نظريات معتمدة في المحافل العلمية .

 

7 / الكتابة باللغة السريانية الشرقية . فرع من الآرامية .