
الإهداء
إلى سليل الشهداء، إلى أبي ومعلمي وقدوتي في الحياة، نصيرالمظلومين والضعفاء، ومن خلاله إلى أرواح الشهداء الأربعين، والده وجديه وأعمامه وأخواله، أبطال إقري ومالختا النجباء، شهداء شعبنا وشهداء الحق والحرية في كل مكان وزمان وكل الشهداء. إلى عشّاق الحرية، إلى كل من عاش مرفوع الرأس وإختارالطريق الصعب في الحياة رافضا كل المغريات ومتحديا كل أشكال الظلم، ومات حرا وبكل إباء. إلى كل إنسان له ضميرحي وقلب يحب ولا يكره، إلى كل هؤلاء، أهدي هذا الجهد المتواضع الذي حاولت فيه تسجيل مآثر لرجال عظماء، تحملوا ما يصعب تحمله وقدموا أغلى ما يمتلكه إنسان في سبيل ما آمنوا به وكانوا في ذلك صادقين مخلصين أوفياء.
مع
الحب
والتقدير
داود
كوركيس بيت
ابونا
مقدمة
الكاتب
كثيرون
هم الذين
سقطوا ضحايا
وحشية
الإنسان
وجشعه على مرّ
الأيام
ومختلف
الأماكن
والأزمان،
وكثيرون هم من
دفعوا ثمنا
غاليا لسوء
نوايا
الآخرين وطمعهم
بإمتلاك ما
ليس لهم. هكذا
كان الحال منذ
بدء الخليقة
ولا يزال
وسيبقى إلى أن
يدرك الإنسان
أنه مخلوق
متميزعن
الحيوان وأرفع
شأنا منه، وأن
لأخيه
الأنسان حقوق
وحرمات
وحريّات لا
يجوز حرمانه
منها أو التجاوز
عليها، حق
الوجود
والعمل
والإمتلاك والتمتع
بمباهج
الحياة وحرية
التفكير
والإعتقاد
وممارسة ما
يؤمن به من
شعائر وطقوس
وكل ما لا يمس
حقوق ومصالح
ومشاعرالآخرين.
هكذا سيكون
الحال طالما
يجهل الإنسان
الفرد أو
يتجاهل أنه
هوأيضا إنسان
فقط لا غير
وأن عليه
واجبات تجاه
الآخرين
مثلما له
حقوق، وأن
الحياة نعمة
وهبة ليس من
حق أحد من بني
البشر أن
يمنعها عن
الآخرين مهما
وصلت مرتبته
وعلا شأنه
ومهما إمتلك من
سلطة وقوة
وجاه ومال،
وأن الناس من
ذكر وأنثى،
صغار وكبار،
وبغض النظرعن
جنسهم ولون بشرتهم
ومكان
ولادتهم وغير
ذلك من
الأختلافات في
الشكل، هم في
الجوهر بشرلا
إختلاف بينهم
في التكوين
الجسدي
والعقلي
والقدرات في
العمل
والتفكير
والإبداع وفي
أمور الحياة
كلها، وهم
بالتالي
متساوون في
الحقوق
والواجبات
ويستحقون كل
الإحترام
والتقدير دون
تفريق. لن تكتمل
إنسانية
الإنسان حتى
يدرك كل هذا
وكثيرغيره من
الأمور التي
فصلته وميزته
عن مخلوقات الطبيعة
الأخرى منذ
زمن بعيد.
هذه
الأسطر هي
محاولة
لتسجيل أحداث
وقعت فعلا
أثناء الحرب
العالمية
الأولى، هي
رواية
تاريخية وقصة
حقيقية
لمأساة بشرية
وكارثة ألمّت
بقوم أبرياء لم
يقترفوا أي
ذنب سوى ذّنب
الإنتماء إلى
شعب ووطن
وحضارة
ومعتقد وأمور
أخرى يختلفون
فيها عن
جيرانهم
وأصحاب
السطوة في
المنطقة، هي
محاولة
لتخليد ذكرى
أناس سقطوا
ضمن مئات
الالآف من
أبناء الشعب
الكلداني
السرياني
الآشوري في
ساحات معارك
الآخرين،
معارك لم
يكونوا فيها
أصحاب قرار
ولا حتى
مشاركين في
إتخاذ القرار،
ولم يرفعوا
فيها سلاحا ضد
أحد أو مع أحد
وإنما حشروا
في هذه
المعارك حشرا
من قبل أطراف
وجهات من
مشارب شتى
كانت لها مآرب
في ذلك لتبرير
مخططاتها
الجهنمية
ومؤامراتها
المستمرة على
مدى عقود
وقرون لقضم
أراضيهم شبرا
بعد آخر
وإستغلال ما
عليها وما
تحتها من
خيرات وثروات.
هذه الأطراف
وعلى مرّ
التاريخ، رغم
عدم إنسجامها
وإتفاقها
فيما بينها
وعدم كونها من
أرومة
أوعقيدة
واحدة إلاّ أن
أهدافها وغاياتها
كانت متفقة.
إتفقت في
طمعها بأرض
هذا الشعب فعملت
على محوه من
الوجود ومحو
موروثه وحضارته
المنتصبة على
تلك الأرض لكي
تسهل عملية الإستيلاء
عليها بعد
تغييب صاحبها
الشرعي، فمارست
إلى جانب
القتل
والإبادة
الجماعية والسبي
والسلب
والنهب
والتدمير
وغيرها مما
مارسته من
أعمال وحشية،
مارست عملية
مسح الذاكرة
وتزوير
التاريخ الذي
لا تزال
المحاولات
جارية على قدم
وساق إلى
يومنا هذا
لإعادة
كتابته من قبل
الغزاة
الطغاة كل على
طريقته
الخاصّة ووفق
مصالحه
ومآربه، ولكن
هل سينجحون في
ذلك؟ هل
يستطيعون
إزالة كل
المعالم
الدالّة على
هذا التاريخ
أو تزويره؟ هل
يمكن أن يحصل
هذا في عصرالنور
والكومبيوتر
والإتصالات
والمواصلات
السريعة
والفضاء
وغيرها من
مظاهر التطور
والتقدم
والإزدهار؟
هل يمكن
للعالم المتمدن
في القرن
الحادي
والعشرين،
عالم الإنفتاح
والديمقراطية
والحرية
وحقوق
الإنسان والعولمة
والتكنولوجيا
أن يسمح بزوال
إحدى أقدم
وأعرق الحضارات
من الوجود
وإبادة
حامليها
الحقيقيين؟
بالتأكيد
ستختلف
الأجوبة على
هذا السؤال بإختلاف
المصالح
والآراء
والمواقف
والمنطلقات
السياسية
والفكرية
والأمزجة
وغير ذلك. وربما
يتراءى للبعض
أن الأمر قد
قضي وان ما
تبقّى من
الوجود على
أرض الآباء
سينتهي قريبا
نتيجة الأوضاع
الجديدة وما
يحصل لأبناء
هذا الشعب من
مآسي ومسلسل
القتل
والإعتداءات
بمختلف الأشكال
والأساليب
القديمة
والجديدة
لإرهابهم
وترويعهم
وإجبارهم على
الهروب وترك
آخرالأمتار
من أرض
الأجداد.
ولكي
نجيب نحن
أصحاب الشأن
على هذا
السؤال
بالشكل
الصحيح نقول،
أن الشمس لا
يمكن أن تحجب
بغربال، وما
ضاع حق وراءه
مطالب.
فرغم حجم
المعاناة،
إلا أن الأمر
يختلف اليوم
عن البارحة في
أشياء كثيرة،
أهمها أن ما
يجري اليوم لا
يمكن إخفاءه
ونكرانه كما
حصل في الأمس،
بل أن ممارسات
اليوم البشعة يمكن
تسجيلها
وتوثيقها
وحفظها
بوسائل شتى وتقديمها
للأجيال
القادمة،
وهذه مهمة بل
واجب على
أبناء هذا
الشعب
المخلصين.
عليهم تسجيل وتوثيق
ما يستطيعون
جمعه من
معلومات عن ما
يحصل اليوم،
والبحث في
ذاكرة من عايش
أحداث الأمس
القريب من
كبارالسن
وتسجيل ما
شاهدوه وعايشوه
وكذلك ما يمكن
الحصول عليه
من معلومات في
الوثائق
المتوفرة
والمتناثرة
هنا وهناك، وجمع
ما يمكن جمعه
من تاريخ
شعبنا الطويل
والعريق
والزاخر
بالأحداث
الكبيرة،
والذي هو خزين
ثر لتاريخ
الأنسانية
بكل
إنحناءاته
وتعرجاته
وسجل لمراحل
تطورها. إنها
مهمة شاقة
لكنها نبيلة
ويجب القيام
بها بأمانة
وصدق خدمة
للإنسانية
ومستقبل
الأجيال
الصاعدة التي
من حقها أن
تعرف جذورها
وأصولها
والخلفيات
والأسس التي
يستند عليها
عالم اليوم.
وما جهدنا هذا
سوى خطوة
صغيرة في هذا
الطريق
الطويل
ومساهمة بسيطة
في تسجيل
مأثرة لجماعة
من البشر
آمنوا بأشياء
أراد آخرون
إنتزاعها من
قلوبهم
فرفضوا وكانت
حياتهم ثمنا
لهذا الرفض
ولتمسكهم بتلك
القناعات،
ولولا تلك
البطولات لما
كانت هذه
الرواية التي
أحلم منذ
طفولتي
بتسجيلها تخليدا
لذكراهم
وشجاعتهم
وتضحياتهم
وتحقيقا لرغبة
جدتي
وأخواتها
وغيرهن من
النساء اللواتي
عايشن تلك
الآلام ورأين
الأب والأخ
والزوج والإبن
وكل الأقارب
من الرجال
يذبحون أمام
أعينهن وترمى
جثثهم
الطاهرة في
الزاب دون
ذنب، وبعد ذلك
عوملن كغنائم
وتم بيعهن
جواري وإماء
رخيصات مع
أطفالهن لمن
هب ودب من
اللصوص. ظلّ
هذا الحلم
حملا ثقيلا
جاثما على
صدري ويقضّ
مضجعي، لكن
عوادي الزمن
والإنشغالات
الكثيرة والمتنوعة
حالت دون
تحقيقه إلى
السنين الأخيرة
حين وجدت
نفسي
أتقدم في
السن والصحة
تتدهوروتسوء،
فخشيت على
الأمانة من
الضياع لذلك
قررت البدء
بالكتابة. لم
أجد صعوبة كبيرة
في ذلك لأن
القصة كانت
مختمرة،
جاهزة مخزونة
في رأسي وما
كان عليّ سوى
نقلها وطبعها
على الورق. وأود
هنا أن أشكر
كل من شجعني
على كتابتها
من أفراد
عائلتي
الصغيرة
والكبيرة
والأقارب والأصدقاء
ولا أريد أن
أذكرهم جميعا
لكن شخصا واحدا
كان له الفضل
الكبير في
مساعدتي على
إنجازها بهذا
الشكل وهو
والدي الذي
عايش هذه الأحداث
منذ بدايتها
وهو طفل رضيع
وكبر معها، وهو
اليوم الوحيد
الباقي على
قيد الحياة من
معايشيها من
أهل اقري
ومالختا. كما
أنني لا أستطيع
إغفال
المساعدة
التي قدمها لي
المرحوم العم
دانيال لازار
الذي زودني
بمعلومات
قيّمة حول
الأحداث
والأماكن.
ولكل من قال
كلمة كان لها
تأثيرا
إيجابيا في
إنجاز هذا
العمل أقدم خالص
شكري
وإمتناني.
مع
التحيات
القلبية
الحارة لكل من
لديه الإستعداد
للدفاع عن
قناعاته دون
خوف أو تردد
ويحترم
قناعات
الآخرين
ويدافع عنها،
فهؤلاء هم صانعوا
التاريخ.
داود
كوركيس بيت
ابونا
السبت الثاني
من كانون
الأول (
ديسمبر) 2006 /
السويد
الفصل
الأول
ما قبل
العاصفة
من سفوح جبال
حكاري
الشاهقة
الشامخة
تتدفق مياه
الينابيع
العذبة
منحدرة في
جداول وسواقي
تروي عطش
الإنسان
والأرض وما
عليها من حياة،
لتلتقي وتكبر
ثم تكبر ليولد
الزاب الكبير
الذي ينساب
جنوبا تاركا
بروار "
برواري
بالا " على
يمينه ونيروى
ريكان على
اليسار، ومن
ثم يشق طريقه
شرق العمادية
ويواصل مساره
الطويل
المتعرج في وديان
بلاد
آشورالرائعة
الجمال فتنضم
إليه فروعه
القادمة من
الشرق ليدخل
أخيرا السهل
الفسيح
المحيط بأم
المدن وعاصمة
العواصم،
نينوى،
فيلتقي
بالشقيق
الأكبر دقلت
العظيم " دجلة
" جنوب مدينة
نمرود
الخالدة
ببضعة
كيلومترات.
من الجهتين
في الوديان
الخصبة
المعطاء وعلى سفوح
الجبال
الخضراء
بغاباتها
الباسقة الأشجار
ومروجها
اليانعة، وفي
السهول
المنبسطة
الخصبة
الغناء،
تنتشر قرى
شعبنا
الجميلة تزينها
الكنائس
والأديرة
الأثرية
والمعابد
الموغلة في القدم،
وبقايا المدن
والقرى التي
كانت ذات يوم عامرة
تملأ بلاد
الرافدين وما
حولها علما وحضارة
وبهجة وعطاء
لألاف من
السنين،
اختفى أثر
أغلبها لما
أصابها من
أصناف الشرور
على أيدي
الغزاة
القساة
القادمين من
كل حدب وصوب
طامعين في
خيرها الوافر
وجمالها
الساحر.
في أقصى شرق
برواري بالا
وعلى السفح
الشمالي لسلسلة
جبال متينة،
المواجه
لحكاري
وتحديدا
تياري
السفلى، تطل
على الزاب من
غربه قرى " اقري
" ، " مالختا " و
" بيبالك "
الآشورية.
أكبر هذه
القرى هي اقري
وبلغة الحكام
يطلق عليها " كري
"، وفيها
كنيسة مريم
العذراء التي
شيدها الأجداد
قبل قرون
عديدة. إلى
الغرب من اقري
وبإتجاه
القمة قليلا
تقع قرية
مالختا وفي
الشرق وبإتجاه
القمة أيضا
تنبسط هضبة
دشت بيبالك وعلى
طرف منها قرية
بيبالك. على
يسار الطريق
المؤدي من
اقري إلى
بيبالك تقع
قرية أفسارك الصغيرة
التي سكنتها
قبل فترة
قصيرة بضعة
عوائل كردية
جاءت من الطرف
الآخر من
الزاب. على إحدى
القمم
الشاهقة يقع
مصيف " بوتكّي
" الجميل
بمراعيه
الغنية
بالأعشاب
الخضراء وماء
عين مركجي
العذب، هذا
المصيف الذي
كثيرا ما تعكّر
الجو بين
الأقارب من
أهالي اقري
ومالختا بسببه.
وإلى الجنوب
من اقري
بإتجاه القمة
وقبل الوصول
إلى بوتكّي،
توجد أكوام من
الحجر وأسس
بناء هي بقايا
لقُرى قديمة
غيّب الزمان
أهلها
ولا يعرف
عنهم شيئا سوى
ما ترويه لنا
حجارة بيوتها
وكنائسها
الموغلة في
الزمن ومايخلدها
ويدل على
هويتها من
صلبان ونقوش
شتى وكذلك نمط
بنائها
وهندستها
التي تشير
قطعا إلى إنتمائها
لشعبنا لا إلى
غيره ممن
يدّعي أو سيدعي
يوما ما
بملكية هذه
المنطقة التي
يتغيّر طابعها
السكاني
تدريجيا
وترجح كفة
الغير فيها
يوما بعد يوم
لأسباب عديدة.
من هذه
المواقع إثنان
على مقربة من
الطريق
المؤدي من
اقري إلى
بوتكي،
أحدهما يطلق
عليه أبناء
المنطقة اسم "
سيرستن "
والثاني "
ماتافندك ".
الناس هنا
مسالمون
يحبون الحياة
الهادئة البسيطة
ويعملون بجد
وبنزاهة
ويكدّون من
أجل توفير
لقمة العيش
النظيفة وما
يسد حاجتهم
وحاجة
عوائلهم،
يمتهنون
الزراعة
والرعي وتجفيف
الملح الذي
وهبته لهم
الطبيعة
فيخرج جاهزا
من ينبوعين على
طريق اقري ـ
مالختا. يطلق
الأهالي على
ينبوع الملح
اسم " كوخي ".
يجمع المحلول
في مراجل ويتم
غليّه
ليتبخرالماء
ويتجمع الملح
في القاع. عمل
شاق لكنه مصدر
مهم لإقتصاد
القريتين لأن
الملح بضاعة
عليها طلب من
القرى الأخرى
في المنطقة.
الحقول على
شكل مصاطب
متدرجة على
السفح جهدَ الأجداد
في خلقها
لتزرع قمحا
وشعيرا وذرة
ورز وغير ذلك
مما يسد حاجة
الناس من
الحبوب وكذلك
أنواع الخضر،
وعلى جانبي
الجداول التي
تروي الحقول
تنتصب
الأشجار
المثمرة
كالتفاح والاجاص
والخوخ
والمشمش
والجوز واللوز
والتين
والتوت
والرمان
ودوالي العنب
وكثيرة غيرها.
وتحيط بالقرى
من كل الجهات
غابات من
أنواع
الأشجار
كالبلوط
الحلو " برما " والبلوط
المر " زديانا
" والعفص
"ميشا " والزعرور
" صوصيني"
والبطم " بطمي
" و "دبرانا "
وشجرة الملك "
قيصا دملكا "
المعروف
بصلابته
والذي كانت
تصنع منه
الملاعق
والكثير من
الأدوات
البيتية
والغليونات،
إضافة الى
أنواع أخرى لا
تحصى من
الأشجار تمتد
من القمة حتى
أسفل الجبل
حيث يصب نهر "
بيخيلابي "
القادم من شمال
غرب وادي
بروار، في
الزاب. على
ضفاف النهرين
تكثر أشجار
الصفصاف "
خيلابا "
والحور "
خورتا "
والجنار
"دلبا "
وغيرها من
الأشجار والنباتات التى
تحتاج
لنموّها ماءا
كثيرا.
البيوت
مشيدة قريبة
من بعضها
وتتكون من
طابقين،
يستعمل
الطابق
الأعلى "
بيلايي "
للسكن وجزء
منه تخزن فيه
المواد
الغذائية
ويسمّى " ستيرّا
"، وفي الطابق
العلوي
لبعض البيوت
يوجد مخزن
للحبوب يسمى "
كوارة " يتم
نسجه بشكل مخروطي
من أغصان
الأشجار التي
يتم تغطيتها بالطين
وتترك فتحة في
الأسفل
لإخراج
الحبوب منها
عند الحاجة.
وكذلك
يستعمل
البعض جزء من
الطابق
الأسفل من
البيت كمخبأ
لخزن المواد
المختلفة
وإخفاء
الأشياء
الثمينة بعيدة
عن متناول
الأيادي
الأثيمة التي
كثيرا ما
تتطاول على
أمان
واستقرار
وحريات الناس
الطيبين والمسالمين
وتغتنم الفرص
للسطو على
مقتنياتهم
التي بذلوا من
أجلها عرقا
غزيرا. يسمى
هذا المخبأ
"برزوما " وهو
مفصول بجدار
عن باقي أجزاء
الطابق
السفلي ويتصل
فقط بالطابق
العلوي عن طريق
سلّم خشبي
يؤدي إلى فتحة
في إحدى زوايا
أرضية
البيلايي لها
غطاء خشبي
تفرش عليه
سجادة أو
حصيرة حسب
إمكانيات
العائلة.
والجزء الأكبر
من الطابق
الأسفل
يستخدم
اسطبلا
للمواشي "
كَوما "
يحميها من برد
الشتاء
القارص ومن المتطفلين
من البشر
وغيرهم، وفي
جزء منه يتم خزن
الحطب
والأعلاف
وغيرها مما
يتم جمعه في فصول
الخير
والوفرة
للإستعمال
أيام القحط والشدّة
خاصّة في
الشتاء
البارد حيث
تغطّي الثلوج
قمم وسفوح
الجبال
والوديان
وتعزل المنطقة
عن العالم
الخارجي
وتبخل
الطبيعة على
الإنسان
والحيوان بكل
شئ سوى الماء
والهواء، فيبقى
الناس سجناء
بيوتهم
وقراهم، لا
عمل لهم سوى
استهلاك
المخزون،
والسهر
للإستماع إلى
القصص والحكايات
البطولية
الممزوجة
بالخيال، والتمتع
بسماع أغاني
ال " راوي "،
وال" ديواني " وغيرها،
والدخول في
أشكال
النقاشات
وصولا للجدالات
البيزنطية
العقيمة،
خاصة حينما يفعل
الكحول فعله
في عقول
الرجال في
الساعات
المتأخرة من
الليل. أمّا
النساء فيستغلّن
وجودهن في
البيت لإنجاز
الكثيرمن الأمور
والأعمال
المنزلية
كحياكة
الملابس والجوارب
والقفازات
الصوفية
وغيرها وكذلك
الخياطة
والتطريز
وكل ما تحتاجه
العائلة
والبيت من
لوازم، إضافة
إلى شوؤن
البيت
اليومية
كالطبخ
والغسيل
ورعاية الأطفال
وما إلى ذلك.
ما
أن يرحل
الشتاء ويطل
الربيع فتزهر
الأشجار
وتغطي
الأعشاب
والحشائش
وأنواع
الزهور من كل
الأصناف
والألوان وجه
الأرض، حتى
يخرج الإنسان
والحيوان إلى
الطبيعة،
المزارعون في الحقول،
والشباب مع
مواشيهم في
المروج،
وبعضهم يبحث
عما تجود به
الطبيعة من نباتات وأعشاب
عديدة
منها الحميض
" خاميصوكي "
والراوند "
ياميصي " وزهرة
البيبون أو
البابونج "
بيبوني " وخبز
مريم
العذراء "
لخما
دماثمريم " والفطر
الناصع
البياض الذي
يظهر في شقوق
الأرض التي
تتفتح
بين الشجيرات بعد
الرعود
والأمطار، و
أخرى غيرها،
وآخرون في
الغابات
يصيدون أنواع
الطيوركالقبج
"
ققواني "
والحمام البري
بأنواعه "
يوني
وجركومي " وغيرها
إضافة إلى
الحيوانات
كالأرانب "
ارنوي "
والوعول "
اربي دوالا " والخنازير البرية
" خزوري "
والثعالب "
تالي " وغيرها
مما ينفع
لحمه
كطعام أو يستخدم
جلده
أو فراؤه
للكساء أو
الزينة ،
وغيرهم ينزل
إلى الزاب
لإصطياد
السمك اللذيذ
الذي
يندر وجوده في
المنطقة. إنه
فصل الخير
الوفير والكل
يسعى ويشارك بقسطه
وحسب قدراته
كي تستمر
الحياة. الكل
سعداء بما
لديهم رغم
الشحّة والبساطة
ومصاعب
الحياة
ومشّاقها،
ورغم الاستغلال
البشع
من قبل
الأسياد
الذين فرضوا
سيطرتهم على
البلاد منذ
زمن طويل
وحرصوا على
عزلها عن
العالم
المتحضر،
يفتك بها
الجهل والمرض
والتخلف
والجوع،
أسياد جعلوا
من أهل البلاد
الأصليين
غرباء في
أرضهم وعبيدا
يسخرونهم
للعمل في
حقولهم التي
استولوا
عليها عنوة
ومنازلهم،
ويأخذون حصة
من كل ما
ينتجون دون
وجه حق وبلا
رحمة. هكذا
كان الحال
لمئات من
السنين، إلى
بدايات القرن
العشرين، قرن
التطورات
الكبيرة
والسريعة،
القرن الذي
أصبح فيه
العالم أصغر
والمسافات
بين أطرافه
أقصر، لا بسبب
انكماش أو
تقّلص في
الحجم بل لما
حصل من تقدم
هائل في وسائل
الاتصال
والمواصلات،
وجموح في
مطامع الكواسر
الذين كبرت
مصالحهم
وكثرت
أموالهم وباتوا
يبحثون عن
فضاء يتسع
لهذا التضخم
في أحجامهم،
عن
مصادر
للمواد
الأولية والطاقة
وأسواق
لتصريف
منتجاتهم
وتحقيق أعلى الأرباح
وكذلك تأمين
طرق
المواصلات
اللازمة
لتحقيق ذلك. إنه
التنافس الذي
لا يرحم والذي
يتطور إلى
صراعات
سياسية حادة
تمتد لتصل إلى
حروب تأتي على
الأخضر
واليابس معا.
إنه
ربيع عام 1915 م ،
العام الثاني
للحرب الكونية
الأولى. ما
أجمل الطبيعة
وما أروعها هذا
العام. ما أشجى
أ صوات الطيور
وما أحلى
ألوان
الفراشات وهي
تطير بين
الأشجار
والنحل ينتقل
بين الورود والأزهار.
الفتيان في
المروج يرعون
قطعانهم والحلابات
يأتين بالماء
والطعام
ويملأن الأواني
بحليب النعاج
والماعز
والأبقار،
ويغتنمن
الفرصة
لتبادل
الأحاديث
البريئة والنظرات
الخجولة
والهدايا
المتواضعة مع
الشبّان
بعيدا عن
رقابة وتشدد
الكبار. هذا
يقدم وردة وذاك
يحفر إسما على
شجرة او صخرة،
آخر يجهد ساعات
طويلة ليصنع
من الخشب
صليبا يعلق
على الصدر
ذكرى. أما
الفتيات
فهذه
تقدم قفازات
سهرت
لحياكتها
ليالي عدّة،
وتلك تهدي
جوارب، وأخرى
كيس للتبغ أو
للزاد
والعُدّة.
يستمر العمل
الممزوج
باللهو
واللعب
والمرح
والبراءة لكن
الشمس تأبى
إلا أن تضع
حدا لكل هذا
فتنحدر نحو
المغيب ليعود
الجميع إلى
البيوت.
بعد قسط من
الراحة يجتمع
الناس، خاصّة
من أهل اقري،
في الكنيسة
لتأدية صلاة العصر
والإستماع
إلى أحاديث
مختلفة
في أمور
الدين
والدنيا.
الأوضاع هنا
هادئة نوعا ما
قياسا إلى ما
يحدث في مناطق
أخرى من
البلاد ومن العالم
من فضائع بحق
الأبرياء،
حيث تدور حرب
شعواء بين
الضواري
الذين لا
نهاية ولا حد
لجشعهم
ولا رحمة في
قلوبهم على
اختلاف مشاربهم
وانتماءاتهم
القومية
والدينية
وغيرها من
الاختلافات
في الشكل
والمظهر،
إنها حرب
المصالح
وتوزيع أو
إعادة توزيع
الممتلكات
والمستعمرات
والأسواق، حرب
بدأت قبل عام بعيدا
في اوربا لكن
شظاياها
تنتشر بعيدا
لتحرق بقاع
عديدة من العالم
ومنها
منطقتنا.
أنباء تصل بين
الحين والآخرعن
معاناة شعبنا
المسالم في
مناطق عديدة،
ممتلكات وأموال
تنهب وتسلب
وبيوت تحرق،
قرى بكاملها
تدمّر وأرواح
بريئة تزهق،
أطفال ونساء وشيوخ
يقتلون
وعذارى يتم
اغتصابهن
وسبيهن. رجال
شجعان
يقدّمون
حياتهم دفاعا
عن العرض والأرض.
آلاف هاربة من
مناطق
الرهتّة التي
يسهل للأعداء بلوغها،
بإتجاه حكاري
الصامدة، حيث
العشائر
الآشورية
الجبلية
الشجاعة
والأكثر قدرة
على الدفاع،
بحكم كثافة
وجود شعبنا
ووعورة المنطقة
والتقاليد
القتالية
لأبنائها،
حكاري، ذلك
الحصن
المنيع
الذي حافظ
على هويته
القومية
لعشرات
القرون رغم
المحن، والذي
انسحبت إليه
بقايا شعبنا
من المناطق
الأخرى تباعا
بعد سقوط حواضرنا
العريقة في
سهول
بلاد ما بين
النهرين " بيث
نهرين "
الواحدة تلو
الأخرى من
آشورونينوى
وبابل
وانتهاءا
بأربيل، المدينة
الآشورية
المقدسة التي
استشهدت قبل
بضعة قرون على
أيدي قطعان
تيمورلنك
المتوحش الذي
عاث فسادا في
بلادنا وأ باد
ما كان قد سلم
ونجا من وحشية
أجداده ومن
سبقهم من
الطغاة. هكذا
يتواصل مسلسل
القتل
والدمار
ويستمر شعبنا
يعاني ويدفع
ثمن وجوده على
أرض يطمع بها
المحيطين بها
من كل
الجوانب،
ويضطر لتركها
لهم بعد
الإبادات الوحشية
والمجازر
الرهيبة التي
يندى لها الجبين،
حفاظا على ما
تبقّى من
أبنائه، حملة مشعل
الحضارة
الأولى في
تأريخ
البشرية.
ينسحب
إلى حكاري
اليوم أبناء
شعبنا
المنكوبين من
مناطق شتّى،
إنه تكرار
للتأريخ
ومآسيه وسخرياته. في
وديان حكاري
وعلى سفوح جبالها
الشمّاء،
اكتضّت
البيوت
المتواضعة والكنائس
وكل ما له سقف
بالمهاجرين
الأبرياء، من
رجال وشيوخ
وأطفال
ونساء، ولم
يعد هناك مكان
أو فضاء، أناس
مرميون في كل
مكان في
العراء، لا
مأوى لهم ولا
طعام ولا
كساء،
يفترشون
الأرض يلتحفون
السماء. إنها
حقّا مأساة
يعجزعن وصفها
اللسان. مأساة
حقيقية
يعيشها شعب
برئ، هو كل ما
تبقّى من إحدى
أعظم وأعرق
الحضارات في
تأريخ
البشرية
القديم، شعب
آمن بالسلام
والمحبة
والتسامح
فكان أول شعب
إحتضن
المسيحية، شعب
عرف معنى
الحياة
ومباهجها
وقيمها، شعب
أهدى
الإنسانية
معارف شتى،
بقايا شعب
تعرّض لكوارث
وفواجع
ومرارات
اختزلت حجمه
إلى حد جعل الكثيرون
يشككون في
إصالة
إنتمائه
وتأريخه بل ينكرون
وجوده من
منطلقاتهم
الهادفة إلى
الإستحواذ
على كل شبر
مما تبقّى من
أرضه
وخيراتها وحتى
على التأريخ
نفسه
مستفيدين في
ذلك من الاختلاف
في أسماء
الطوائف
والخلافات
فيما بينها،
تلك الخلافات
الناتجة عن
اختلاف مصالح مراكز
التأثير
والقرار،
والجهل
السائد في
صفوف غالبية
أبناء الشعب.
هذا الواقع
جعل أبناء هذا
الشعب فريسة
سهلة
للطامعين على
اختلاف أشكالهم
وأصنافهم
وهوياتهم،
وضحية
لإضطهادهم وإستغلالهم
البشع،
يلعبون
بمصائرهم كما
يشاءون. منذ زمن
طويل وهم
يئنّون تحت
نير نظام
متخلف متوحش
شاخ وتجاوزه
الزمن وأصبح ينعت بالرجل
المريض تخطط وتتهيأ
لخلافته وحوش
بثياب أخرى قادمة
من أماكن
بعيدة ومن
وراء البحار،
لهم مال ومكر
ودهاء ولسان
معسول، يعدون
المظلوم
بالحرية
والجائع
بالخبز،
يستغلّون جهل
الناس
ومعاناتهم، فيصدّقوا
دعواهم
ويقبلوا بهم
منقذين
ويصبحوا بذلك
مع الشعوب
الأخرى المحكومة
طعما لإصطياد
السمكة
التركية
السمينة. تستمر
المآساة، بل
تتجدد
وتتعقّد، حيث
تبدأ مشاكل من
نوع
جديد وتلصق
بالشعوب التي
طلبت
البقاء على
قيد الحياة،
تهمة خيانة
الوطن، فتفقد
حتى القليل
الذي كان قد
بقي لها. تصدر
الفرمانات
والفتاوي من
الباب العالي
والشيوخ بوجوب
القضاء على
الخيانة
والكفر وإبادة
شعوب بأكملها
فينتهز البعض
من الطامعين
الشامتين
الصغار
الفرصة
وينقضّون
كالذئاب
الجائعة على
جيرانهم
لتحقيق
الأحلام المريضة في
إمتلاك
الجنائن التي
سال لعابهم
لها طويلا
وعجزوا
لبداوتهم
وتخلفهم عن
تشييد مثيلات
لها. هكذا تتغير
خارطة
المنطقة
فتتحول الأقلية
الوافدة إلى
أكثرية وأهل
البلاد الأصليين
يصبحون غرباء
في أرض
أجدادهم،
ويتغير إسم
البلاد
وأسماء
الأقاليم
والمناطق
والجبال
والأنهار
والمدن
والقرى
وغيرها من
معالم البلاد
التي صمدت أمام
المحن
بأنواعها
لآلاف من
السنين
لعظمتها
وعظمة
مشيّيدها.
هذه
الأمور
والأحداث
التي تعتصر
القلوب هي المواضيع
الساخنة التي
تسود كل
المجالس في قرى
شعبنا
وتجمعاته.
الكل يصلي
ويطلب من الرب
أن يبعد هذه
الشرور عن
المنطقة وأن
ينجي شعبنا المسالم
وشعوب العالم
كلها ويضع حد للدمار
ولمعاناة
البشرمن الحرب
وويلاتها
ومآسيها في كل
مكان. لكن هل تلبى
الدعوات وهل
هناك مفر من
الحرب
وآثارها
الرهيبة، وهل
هناك من حدود
لجشع الإنسان
عندما يتجرد
من إنسانيته
وينساق وراء
غرائزه
وبشكل خاص وراء
شهوة التسلط وحب
التملك؟
بعد
الانتهاء من
الصلاة وما
يعقبها من
أحاديث في
باحة الكنيسة،
يغادرالجميع
إلى البيوت
لتناول العشاء،
ثم يخرج
الشباب إلى
الساحة التي
تتوسط بيوت
القرية
ليمارسوا بعض
الألعاب
ويواصلوا أحاديثهم
الخاصة
المختلفة عن
إنشغالات
الكبار، قصص
وحكايات
يمتزج فيها
الواقع
بالأحلام والطموحات
عن مستقبل
سعيد وحياة
جميلة. وفي
نهاية المطاف
ينال التعب من
الجميع
فيفترقون على
أمل اللقاء في
صباح اليوم
التالي.
ليوم
الأحد مكانة
خاصة عند
أبناء اقري
ومالختا
وبيبالك كما
هو الحال عند
باقي أبناء
شعبنا
والمسيحيين
بشكل عام.
الناس يمارسون
فقط الأعمال
الضرورية جدا
والتي لا
تستمر دونها
الحياة، كإعداد
الطعام
والعناية
بالأطفال
وإطعام المواشي
والدجاج
وأمورأخرى
لاتقبل
التأجيل. في
الصباح
الباكر يذهب
الجميع إلى
الكنيسة
لحضور القدّاس
والإستماع
إلى الكتاب
المقدس
والتناول،
وكذلك
الإستماع إلى
المعلومات والأخبار
والتعليمات
الواردة من
القيادات
الروحية، ثم
يخرج الجميع
إلى باحة
الكنيسة
ويفترقون
مالم تكن هناك
مناسبة خاصة
بأحد الشهداء
والقديسين "
دوخرانا "، أو
مناسبة من نوع
آخر، وما
أكثرها، حيث
يتناول
المصلّون
طعاما معدّا
بهذا الخصوص.
هذه
المناسبات لا
يشترط أن تقع
في أيام الآحاد،
بل لها
تواريخها
المحددة، من
اهمها بالنسبة
لقرية اقري
عيد انتقال
مريم العذراء "
شارة دماث
مريم " الذي
يصادف
في منتصف آب
من كل عام،
حيث تستضيف
القرية زوارا
من مختلف
القرى
والمناطق. بعد
القدّاس
الخاص بالمناسبة
يغادرأهل
القرية
وضيوفهم
الكنيسة إلى
الساحة التي
تتوسّط
القرية وتبدأ
الإحتفالات
تحت ظل شجرتي
التوت
الكبيرتين،
الذي يقي
المحتفلين من
حرارة شمس آب
الحارقة. ومن
المناسبات
الخاصة بيوم
الأحد مثلا
أحد البنات " خوشيبا
دبناثا " قبل
الصوم الكبير
حيث تخرج
العذارى إلى
الطبيعة
ومعهن
إحتياجاتهن
من البيوت فيمارسن
دور ربّات
البيوت
والأمهات
وبعد ساعات من
اللهو والمرح
وقبل حلول
الظلام يعدن
إلى بيوتهن
والبهجة تملأ
النفوس. وهناك
أحد الاشابين
" خوشيبا
دقاريوي "،
وفيه يدعى
الإشبين ويعدّ له ما لذ
ّ وطاب من
مأكل ومشرب
يشاركه فيه
الأقربون من
الأهل
والأصدقاء.
وهناك أيضا
أحد الشعانين
" خوشيبا
دأوشاني "
والأحد الجديد
" خوشيبا خاثا
"، وعيد الرش "
نوسرديل " الذي
يصادف أيضا
يوم الأحد.
هذه
المناسبات
وكثيرة غيرها
حافظ عليها
الأجداد
بإعطائها
قدسية خاصة من
خلال ربطها
بالمعتقد
الديني كي يستمر
دورها في
توثيق
العلاقات
العائلية
والأواصرالإجتماعية
وتقويتها بين
أبناء الشعب وكذلك
من أجل تثبيت
هويته
المتميزه عن
غيره من
الشعوب التي
باتت تجاوره
وتقاسمه أرضه،
من خلال تميّز
عاداته
وتقاليده
وشعائره
الدينية
إضافة الى
تميّز موروثه
الثقافي كاللغة
والتأريخ وحب
الأرض، أرض
بيث نهرين، والتعلّق
بها والإنتماء
إليها فقط دون
غيرها
والإستشهاد دفاعا
عنها.
من أهم
الأحداث
والمناسبات
في حياة الناس
من أبناء
القرى
المسيحية في
فصل الربيع هو
عيد القيامة
الذي يصادف في
أغلب السنين
في شهر نيسان،
بعد صوم طويل
لمدة خمسين
يوما. يتم
الإستعداد
للاحتفال
بالعيد
بإعداد الحلويات
الخاصّة مثل أل "
كليجة "
وأل "
كادي " والبيض
الملون
المسلوق وغيرها،
كما تحضّر
الشموع "
بوندي " وغير
ذلك.
يوم سبت
النور" شبثا
دنورا " يذهب
الناس إلى
الكنيسة ليلا
للسهر
والصلاة "
شهرتا " ، وفي
وقت متأخر من
الليل
وبعد إنتهاء القداس
والمراسيم
الخاصة
والتناول،
وقبل بزوغ فجر أحد
القيامة يخرج
الجميع إلى
الباحة
يشعلون الشموع فوق
قبورالأعزاء
الذين رحلوا وكذلك
على السور
المحيط
بالكنيسة وعلى
النتوءات
البارزة في
جدرانها المبنية
بأحجار ضخمة
ساعدت على
صمودها لهذا الوقت
الطويل أمام
عاتيات الزمن
والإعتداءات
المتكررة
والمستمرة
منذ قرون
عديدة، فتصبح
الكنيسة وما
يحيط بها
وكأنها ثرية
جميلة معلقة
في السماء تطل
على سفح
الجبل.
تبدأ مسابقات
البيض
الملوّن
وتبادل
التهاني بالعيد.
الكل سعداء
وفرحون
يقبّلون
بعضهم بعضا، والقلوب
تتصافى ويزول
ما يكون قد
علق في الأذهان
من خلافات أو
خصومات على
أمورالحياة
المادّية. بعد
كل هذه
المراسيم في
الكنيسة يعود
أهل اقري إلى
بيوتهم في
الصباح
الباكر
وبصحبتهم ضيوف
من القرى
الأخرى
لتناول
الفطور وقضاء
يوم العيد
سوية بالبهجة
والسرور.
وعادة
تستقبل
عائلة اوشانا
بيت آبونا من
اقري أنسابهم
من مالختا،
بيت اوراهم
وكوركيس زيّا
وعوائلهما .
يدخل
أهل الدار
والضيوف إلى
البيت ويجلس
الرجال في
زاوية من
البيلايي
والنساء
والأطفال في
زاوية ثانية،
يرحب خامس
وأهل بيته
بالضيوف :
ـ
مرحبا بك
وبأهلك يا أخ
اوراهم.
ـ
شكرا يا شماس
خامس. كيف
حالك وكيف حال
الأولاد ؟
ـ
نشكر الله على
ما نحن عليه.
ـ
كيف حالك يا
أخت مامي،
وكيف حال أهلك
الطيبين في
عين نوني ؟
ـ
أشكرك يا أخ
اوراهم ،
الجميع بخير
شكرا لله. إنهم
يسألون عنكم
دائما خاصة
أخي القس
بنيامين.
ـ
أرجو ان
تبلّغيه وأهل
بيته تحياتي
الحارة.
ـ ما
أجمل هذا
النهار. نرجوا
أن يمن الله
علينا بأيام
أخرى مثل هذا
اليوم السعيد
وأن يبعد عنا
كل أنواع
الشرور.
ـ
نعم يا أخ
خامس.
نتمنى أن
يستجيب الله لندائك
وأن يملأ قلوب
المتحاربين
بالرحمة
والشفقة على
الأبرياء
المساكين
الذين يسقطون
ضحايا هذا
الجنون وأن
يضع نهاية
لمعاناة
الجميع.
ـ ما
هي آخر
الأخبار يا أخ
اوراهم؟ ما
الذي يجري في المناطق
الأخرى ؟
ـ
الموقف صعب
للغاية يا
دانيال. الحرب
مستمرة بين
الكبار،
وشعبنا في
العديد من
المناطق يتعرض
للمذابح
المستمرة
والتشريد، شأنه
شأن بقية
المسيحيين في
كل أطراف
البلاد. الكثير
من قرى شعبنا
دمّرت وخلت من
سكانها الذين
يهرب الناجون
منهم من
المذابح بإتجاه
حكاري أو
المناطق التي
تقع تحت سيطرة
الجيش الروسي
في سلامس
وأورمية
وغيرها من المناطق
الإيرانية. وهناك
أيضا يعبر الجيش
التركي
الحدود
ويلاحقهم
ويرتكب بحقهم
أبشع الجرائم
بالتعاون مع
جيرانهم
الذين كان الأجدر
بهم التعاون
مع أبناء
شعبنا ضد
المستغل
المشترك، لكن
كما يتضحح
وكما حصل
دائما فإنهم
يغلّبون
الجانب
الديني على كل
شئ.
ـ
وما مصيرنا
نحن؟ هل لديك
أخبار
وتطمينات من الأمير
رشيد بك ؟
ـ
إنه يحاول
إبعاد
المشاكل عن
منطقتنا
وحماية قرانا
من إعتداءات
رجال العشائر
القادمين من
مختلف
المناطق
للهجوم على
تياري. وبالمقابل
كما تعلمون
يطلب منا
تزويدهم
بالطعام والشراب
وكل ما
يحتاجونه
لانهم، حسب
رأيه، يدافعون
عن بروار من
اعتداءات
التياريين،
ولا ندري كيف
ستكون
النتيجة.
ـ
إلى متى تبقى
ثقتك عالية
بهذا الوحش
الذي يتحين
الفرص للفتك
بأبناء
عمومتنا في
تياري يا عمي؟
إنها مسألة وقت
فقط ، وسيأتي
دورنا نحن
أيضا. علينا
أن نفكّر
بالأمرمليّا
ونتصرّف قبل
فوات الأوان.
ثم لماذا
نزوّد من يقتل
أبناء شعبنا
بالطعام وما يحتاجون.
ومتى اعتدى
التياريون
على بروار؟ أليس
هو الذي
يهددهم
ويعتدي عليهم
دائما كما فعل
أجداده من
قبل؟
ـ لا
تكن هكذا
متعجّلا
ومتشائما يا إبن
أخي انويا.
إنك شاب مندفع
ولا علم لك
بهذه الأمور،
وتميل دائما
إلى حسم
الأمور بسرعة
وبالقوة ودون
تفكير. إن ما
قدّمناه
للأمير طوال
حياتنا وما
قدّمه آباؤنا
وأجدادنا لأسلافه
ليس بالقليل،
ولا أظنه ينسى
الخبز والملح
والعشرة
الطويلة
بيننا التي تمتد
إلى أجيال
عديدة. إنه
رئيس عشيرتنا
ولن يسمح لأحد
أن يمس شعرة
من أحدنا. وهو
بالإضافة إلى
ذلك بحاجة لنا
أكثر من حاجته
للغرباء القادمين
من مناطق
بعيدة بغية
السلب والنهب. ثم أن
الأميرلا
يعادي أبناء
عمومتنا في
تياري بسبب
الدين بل
لأسباب
عشائرية بحتة
وما يترتب على
ذلك من تنافس
وحب السيطرة
إضافة الى طلب
الثار لما حصل
بينهم من حروب
وقتل متبادل.
إنه متفتح
وليس من
المتعصّبين
من الناحية
الدينية
قياسا بغيره،
وربما يكون
ذلك بسبب كون
عائلته ترجع
الينا في
أصولها وهو
يدرك ذلك حتما
لأن هذه القصة
معروفة
للجميع. إن
حياتنا يجب أن
تستمر بشكل
طبيعي الى أن
تتضح الأمور
ولا نستطيع أن
نفعل شيئا سوى
الانتظار،
حيث لا بدائل
لدينا.
ـ إن
جيراننا، على
الجانب الآخر
من الزاب وغيرهم
ينتظرون
الفرصة
المناسبة
للإنقضاض علينا
وإبادتنا.
إنهم دائما
يطمعون
بأراضينا. إن
تحرشاتهم
وتهديداتهم
إزدادت وأصبحوا
يجاهرون بها.
ولن يتأخروا
عن تنفيذها
لحظة واحدة
حينما تتاح
لهم الفرصة،
وقد يكون
الأوان قد فات
فلن نتمكن من
صدّهم ومنعهم
من تنفيذ
مآربهم
الشريرة.
ـ
عليكم بالصبر
يا ولدي.
سأحاول
الإتصال بالأمير
رشيد بك
لأخبره بذلك،
وأنا متأكد من
أنه سيوقفهم
عند حدهم. إنهم
لا يستطيعون
أن يفعلوا
شيئا
طالما كنّا
في حماية
الأمير. أليس
كذلك يا قس
كوريال؟
ـ
أنتم أعلم
بهذه الأمور
يا عم اوراهم.
أمّا
فيما يخصّ
المناطق
الاخرى، فإن
الأخبار لا
تبشر بخير،
فكما
تفضّلتم قبل قليل
لا تزال أعمال
القتل والسلب
والتدمير
والسبي
وإنتهاك الحرمات
مستمرة في
بقاع عديدة.
الناس المذعورون
يتركون
وراءهم كل ما
يملكون طلبا
للنجاة بأرواحهم
وأرواح
عوائلهم،
والقيادات
الروحية في
مختلف
المناطق وكذلك
قادة العشائر"
الملوك "
والوجهاء
الآخرون على
إتصال مستمر
مع قداسة
المار شمعون
وهم منشغلون
بمناقشة المسألة
للخروج بقرار
صائب وموقف
موحّد مناسب
من الأحداث،
لكن المسألة
ليست
بالسهولة التي
يتصورها
البعض، بل في
غاية الصعوبة
والتعقيد،
فهي مسألة
حياة أو موت
لشعب بكامله
والمسؤولية
صعبة وليس من
السهل
تحمّلها.
القيادة الروحية
حائرة وعاجزة
عن إتخاذ موقف
حاسم. هناك
أصوات عديدة
ترتفع بين
أبناء شعبنا
تدعوا لحمل
السلاح
والقتال
لحماية ما
تبقّى من
وجودنا والدفاع
عن الحرمات
المنتهكة كل
يوم، وهناك
آخرون يدعون
إلى الصبر
والتريث وعدم
المغامرة وتعريض
ما تبقّى لنا
من وجود على
أرض الآباء
والأجداد إلى
خطر
الإجتثاث،
والطرفان
لهما حق فيما
يقولان رغم
الإختلاف بل
التعارض
الواضح بينهما،
فالطرحان
ينطلقان من
الحرص والخوف
على الشعب
ومصلحته
ومصيره.
وقد علمنا مؤخّرا
أن قداسة
البطريرك دعا
إلى إجتماع
عام لقادة
الأمة من
رؤساء
العشائر
ووجهاء الرهتة
ورجال الدين
من مختلف
المناطق
لدراسة
الأمور
والوقوف على
حقيقة
الأوضاع
ومحاولة
تقريب وجهات
النظر للخروج
بالقرارات
السليمة المعبرة
عن مصلحة
الشعب، حيث أن
أملنا الوحيد
للخلاص يكمن
في وحدتنا
وتعاوننا.
إستمر النقاش
بين الرجال عن
الأوضاع
السياسية
وأمور الحرب ومصائب
الشعب ومآسيه
رغم كون
المناسبة
مقدسة يفترض
أن تسودها
أحاديث سارّة
وأغاني
وترفيه عن
النفس بعد
إنقضاء فصل
الشتاء
ومتاعبه،
ومشاق الصوم الخمسيني
الطويل. أمّا
النسوة فكانت
لهن أحاديثهن
الخاصة في
الزاوية
الأخرى من
البيلايي.
قبل
المغيب بقليل
يغادرالضيوف
عائدين إلى قراهم
وقلوبهم
تختلط فيها
البهجة
بالحزن والقلق،
ابتهاج
بمناسبة
العيد ومقدم
الربيع وجمال
الطبيعة،
وألم
لما يجري في
المنطقة
والعالم من
مظالم
وممارسات
وحشية بحق أبرياء
مسالمين،
وقلق وخوف لما
يخفيه الزمن
لهم ولعوائلهم
وما يمكن أن
يحّل بهم في
أيّة لحظة.
إنها الحياة
بتناقضاتها،
بحلوها
ومرّها،
بجمالها وقبحها،
بنورها
وظلامها،
إنها حقيقة لا
مفر منها وما
على الإنسان
سوى القبول
بها. لكن
هل الحقيقة
واحدة عند
الجميع، وهل
ينظرالجميع
إلى الحياة بنظرة
واحدة، لو كان
الأمر كذلك
لما حدث ما
يحدث ولما
دارت كل هذه الدوائر
ولما قتل
الإنسان أخاه
الإنسان بهذه
الوحشية من أجل
مكاسب مادية
زائلة.
يستمر
الحوار في كل
مكان، في كل
قرية وفي كل بيت،
حوار بين
الناس من
مختلف
الأعمار
والأفكار ومن
الجنسين،
حوار داخل
الشخص الواحد
مع ذاته.
الجميع في
حيرة
ويحاولون
البحث عن مخرج
من المأزق
والطريق المسدود.
الإختلاف
وحتى الصراع واضح حول
إتخاذ
الموقف
والقرار،
قرار القبول
بالواقع على
قساوته لأنه
يعني الرضوخ
والإستسلام
وقبول كل شروط
الأعداء
وصولا لترك دين
الآباء
والأجداد
وتبني
ديانتهم، كما
فعل الكثير من
أبناء شعبنا
منذ قرون
طويلة تحت تهديد
السيف أو بوسائل
إكراه أخرى
فذابوا
وأضمحلّوا،
أو الرفض
والمواجهة
والتعرض
للمذابح والإبادة
والتشّرد كما
حصل لأجدادنا
الذين تركوا أغلب
أجزاء الوطن
للغزاة بعد أن
إستبسلوا في الدفاع
عنه وقدّموا
التضحيات
الجسام
لصدهم لكن
الكثرة تغلب
الشجاعة، كما
قيل قديما.
الصراع شديد بين
الموقفين،
وهو على أشدّه
بين الجيلين،
جيل الكبار
بخبرتهم في
الحياة
وصبرهم
ومعرفتهم
بموازين
القوى
والإصطفافات
على المستوى
المحلي
والعالمي،
ومدى الصدق في
المواقف خاصة
مواقف
الأوربيين
وإدعاءاتهم
الكاذبة فيما
يخص حماية
الأقليات
خاصة
المسيحية منها،
ومن ضمنها
شعبنا، من ظلم
السلطان
وجلاوزته،
وكذلك معرفتهم
بظروف شعبنا
القاسية
والتخلّف
السائد في
صفوفه
وانقساماته
الطائفية
والعشائرية وغيرها
من أسباب
الفرقة التي
تضعف ساحتنا،
أمّا جيل
الشباب
بحيويتهم
واندفاعهم
وقلة خبرتهم
وضعف معرفتهم
بالظروف
وتفاصيل أخرى
كثيرة، إضافة
لكونهم ولدوا
في زمان آخر
غير زمان
آبائهم و
استعدادهم
على تجاوز
الكثير مما
علق في أذهان
الأجيال
السابقة، كل
هذا وكثير
غيره يجعل المواقف
متباينة
ويضيف إلى
عوامل
الإنقسام عاملا
أو عوامل أخرى
جديدة تضعف
موقف شعبنا أمام
خصومه
المتفقين على
شئ واحد على
الأقل هو
التخلّص من
شعبنا وإنهاء
وجوده
والإستيلاء بشكل
كامل على كل
ما تبقّى من
أرضه. هذا
الإختلاف في
فهم الواقع
وكيفية
التعامل معه
هو على أشدّه
في القيادة ،
في مواقف قادة
العشائر ورجال
الدين على
مختلف
المستويات،
وحتى في بيت البطريرك
" المار شمعون
"
نفسه، لأن القادة
يتحملون
المسؤولية
التاريخية
الأكبر في مواقف
خطيرة مثل هذا
الموقف الذي
عليه يتوقف مصير
الشعب بأكمله.
إنه مفترق طرق
والخيار صعب،
فإمّا الحرب
وما يترتب
عليها من مآسي
وويلات
ونتائج غير
معروفة،
أوالسلم الذي
يعني الإستسلام
للعدو
والإذعان
لمشيئته
والتخلي حتى عن
القليل من
حرية ممارسة
بعض الشعائر
والطقوس
والعادات
والتقاليد
الخاصة
بشعبنا، والتي
ضاقت بها صدور
جيراننا
وبشكل أخص
مجموعة الأتراك
الشباب،
جماعة
الاتحاد
والترقي الذين
يريدون تشكيل
أو إعادة
تشكيل الدولة
وفق مقاييس
ونظم
وحدود
جديدة، دولة
قومية جديدة
لا تتحمل وجود
خصوصيات
لأقوام وشعوب
في قلبها،
تفصل بين
أجزائها
وتعزلها عن
الوطن التركي
الأم
في تركستان،
هذه الأقوام
التي يجب صهرها
أو إبادتها أو
تهجيرها
لتحقيق حلم
بناء
تركيا
الكبرى من
أواسط آسيا
شرقا إلى البلقان
غربا، ومن
جبال القفقاس
والبحرالأسود
شمالا حتى المياه
الدافئة في
الخليج
وصحراء العرب
جنوبا، وربما
أبعد من كل
هذا في جميع
الاتجاهات،
لتشمل مناطق
أخرى عديدة
كانت ذات يوم
جزء من الامبراطورية
العثمانية
اقتطعها
آخرون أو نالت
استقلالها
بعد أن سالت
دماء أبنائها
أنهارا في
سبيل الحرية.
وأول خطوة في
هذه المسيرة
هي القضاء على
العراقيل
الفكرية أو
الروحية المتمثلة
في تعدد
المعتقدات
الدينية
والمذهبية،
ومحاولة
توحيد مكونات
الأمة
التركية المنشودة
وصهرها جميعا
في بوتقة
الإسلام، لا حبا
بهذا الدين
الغريب عنهم بل
لكونه الدين
السائد الذي
قامت عليه
الدولة
التركية منذ
البدء، وكذلك
للإستفادة من
المسلمين من
غيرالأتراك وتجنيدهم
لتحقيق هذا
الهدف. وبعد
إنجازهذه الخطوة
وتثبيتها يتم
الإنتقال إلى
الخطوة الثانية
المتمثلة
بفرض التتريك
على الجميع.
بعد
عيد القيامة
بأيام إستمر
النقاش بين
الناس حول
المستجدّات
في الأوضاع
والحيرة من المستقبل
والخوف مما
ينتظرهم.
مجموعة من
الشباب من اقري
ومالختا في
الجبل يرعون
مواشيهم
ويتحدثون ببراءة
عن أمور
الدنيا
المختلفة.
ـ هل
تعلموا أن عمي
الأسقف يونان
رحمة الله على
روحه الطاهرة
كان إلى درجة
كبيرة من
الإيمان
والقرب من
الله
وكانت له
قدرة على صنع
العجائب ؟
ـ ما
هي العجائب
التي صنعها
سيدنا الأسقف
رحمة الله
عليه يا داود؟
ـ
تحكي والدتي
بأنها وأهل
القرية رأووه
بأعينهم وهو
يعلّق
قلنسوته على
خيط أشعة
الشمس؟
ـ لا
أستطيع تصديق
ما تقول. هذه
مجرد أقاويل وأوهام
وخرافات ؟
ـ هل
تكذّبني يا
انويا؟ أم أنك
تقصد أن أمي
كاذبة؟ أسأل
أخي زادق
أوإبن عمي
لازار إن كنت
لا تصدّقني.
ـ
عذرا يا داود
لا أقصد تكذيب
أحد منكم،
خاصة الخالة
الموقرة
مامي، كلما
أعنيه أن هذه
الحكايات
تروى عن سيدنا
الأسقف رحمه
الله لأنه كان
مؤمنا ورعا
وطيب القلب،
محبا للناس.
أمّا إن كنت
تريد معرفة
رأيي
بالعجائب فإني
أعتقد أنها
توقفت بعد
ربنا يسوع
المسيح، ومن
المخالف
للإيمان
الإدعاء بأن
أحدا صنعها بعده.
ـ
لما لا تأتي
معنا عند
العودة إلى
القرية عصرا
وتسمع
الحقيقة من
الكبار من أهل
اقري. ويمكن
لك أن تمضي
الليلة عندنا
فأختك سينم
ستفرح كثيرا
لزيارتك،
أمّا الأغنام
فإن الشباب من
مالختا
سيعيدونها
إلى البيت،
أليس كذلك يا
يونان؟
ـ
لما لا يا
داود. المسالة
سهلة وطبيعية
جدا.
ـ
دعنا من هذا
النقاش الآن.
هل سمعتم شيئا
عن الحرب؟ ما
هي آخر
الأخبار
المتوفرة لدى
عمّك اوراهم
يا انويا؟
ـ
حسب إعتقادي
يا زيّا أن
عمّي لديه
أخبار جديدة
لكنه كما
تعلمون لا
يتحدّث بهذه
الأمور معنا
نحن الشباب. رأيت
شخصا غريبا في
القرية يوم
أمس خارجا من
بيت عمّي
وعندما سألت
عمي عن هويته،
رفض البوح بأي
شئ كما هو
شأنه في أمور
كهذه دائما.
أعتقد أن في
الأمر شئ خطير
لأن عمي لم
يكن على ما
يرام بعد خروج
الغريب من
بيته. ربما
تتضح الأمور
قريبا وأعتقد
أنه سيدعو الكبارإلى
إجتماع عاجل
إن كان هناك
شئ مهم.
بعد
أيام قليلة
وبعد صلاة
الأحد في
كنيسة مريم
العذراء في
اقري اجتمع
الرجال
البالغون من القرى
الثلاثة
اقري، مالخثا
وبيبالك
لمناقشة
أمرهام
وخطير.
بدأ
اوراهم
الحديث
والقلق باديا
على وجهه :
ـ إن
الحاج رشيد بك
أرسل إلينا
رسولا طالبا
منا المشاركة
في حمل السلاح
والقتال ضد
أبناء جلدتنا
في تياري.
ونحن كجزء من
رعيته أمامنا
خياران فقط ، إما
المشاركة أو
رفضها والتعرض
لعواقب ذلك،
وكما تعلمون
أن القتال قائم
منذ فترة بين
التياريين
وقوات رشيد بك
المدعومة من
أبناء
العشائر
الكردية القادمين
من المناطق
الأخرى
البعيدة.
ـ لا
يا عمي، لن
نرضخ لمشيئة
الغريب
ونقاتل أبناء
عمومتنا. كيف
تريدنا أن
نشارك في هذه
الجريمة
النكراء؟ ألا
يكفي ما
نزوّدهم به من
مواد لإطعام
مقاتليهم
الذين قدموا
من كل مكان
لقتل أبناء
جلدتنا.
لقد أفرغوا
مخازننا من كل
شئ ولم يعد
لدينا الكثير
من الحبوب
والمواشي
والدواجن.
إنهم ينتشرون
كالجراد
ويأتون على كل
شئ.
ـ
تريث يا انويا
فالكلام موجه
إلى الرجال
الذين يدركون
الموقف
وأبعاده. ثم
من هو الغريب
الذي تقصده.
إن الأمير
رشيد بك هو
رئيس البرواريين
جميعهم
أكرادا
وآشوريين،
وليس من المنطق
والمعقول أن
نقف ضده، رغم
إعتزازنا بأبناء
شعبنا
وكنيستنا
وتألمنا لما
يحصل لهم في
العديد من
المناطق. لا
أريد أن أسمعك
تتكلم هكذا
وتبث هذه
الآراء
المتطرفة
والسموم بين الشباب
فيضلّون
الطريق.
ـ
ولكن هذا ليس
رأيي أنا
لوحدي بل رأي
أغلب الشباب.
لقد ناقشنا
الأمر فيما
بيننا مرارا
ونحن مستعدون
للقيام بكل ما
من شأنه
مساعدة أبناء
شعبنا في
المناطق الأخرى
، حتى لو تطلب
الأمر حمل
السلاح
والقتال إلى
جانبهم ضد
عدونا
المشترك. إن
مصيرنا مرتبط
بمصير أبناء
شعبنا في
المناطق
الأخرى .
ـ
أنتم الشباب
تندفعون ولا
تقدّرون
الأمور حق
قدرها. من هو
عدونا
المشترك. نحن
لا أعداء لنا،
نحن شعب مسالم
ولا نريد أن
نخلق لأنفسنا
أعداء. لقد
عاش أجدادنا
على هذه الأرض
لقرون طويلة
وعاشروا
أقوام عديدة
قدمت بأشكال
وطرق مختلفة
وأوقات وعصور
متفاوتة
وتعاملت مع شعبنا
بمختلف الطرق
إلا أن شعبنا
استقبلهم برحابة
صدر وأقام
معهم صلات
وعلاقات طيبة
رغم أنهم لم
يبادلوه نفس
المشاعر في كل
الأوقات. عموما
استطاع شعبنا
تجاوز
المصاعب
والصمود على
أرض اجداده
رغم كل ذلك.
وما نمرّ به
اليوم ليس إلا
تجربة جديدة
لا تختلف
كثيرا عن
سابقاتها.
ـ لا
يا عم اوراهم،
إن المشكلة
اليوم تختلف
كثيرا.
الموازين
تغيرت في
العديد من
المناطق نتيجة
تسامح
أجدادنا
وكرمهم
وتفرقهم ولعوامل
عديدة أخرى.
إن هدف
الأعداء
اليوم هو إبادة
شعبنا
وإجتثاث
وجوده من على
أرض الأجداد التي
قضمت تدريجيا
ولم يبقى منها
سوى القليل.
وما حقدهم
اللامحدود
على أهلنا في
تياري
وحكاري
عموما إلا
تعبيرا عن
ذلك. إن حكاري
شوكة في أعين
الأعداء لما
تمثله من رمز
لقوة شعبنا
وصموده في وجه
كل الأعداء،
وإن سقطت حكاري
بيد الأعداء
انتهى وجودنا
على أرضنا التاريخية
وأصبحنا بلا
أرض وبالتالي
دون احترام وكرامة
وسيكون
مصيرنا
ومصيرأبنائنا
التشرد
والضياع.
ـ
حتى انت يا قس
كوريال لديك
نفس آراء
الشباب الآخرين.
ألا ترون أن
فناءنا قد
يكون في مخالفة
إرادة
القائمين على
الأمور في
منطقتنا مما سيترتب
عليه الموت أو
الرحيل وترك
أرضنا وكل ما
نملك واللجوء
إلى مناطق
أخرى وما
يترتب على ذلك
من مصاعب
ومآسي وكوارث.
لماذا
تصوّرون
الأمر بهذا
الشكل
القاتم،
دعونا نناقش
المسألة
بتأني ونبحث
عن مخارج
علّنا نجد
بدائل أخرى
غير هذه.
ـ إن ما
يقوله الشباب
فيه الكثير من
الصحة يا
اوراهم. إن
النوايا سيئة
جدا هذه المرّة
ولا أرى مخرجا
من المأزق
الذي نحن فيه.
أمامنا حلاّن
فقط، البقاء
والرضوخ
لمشيئة
الأمير
والمشاركة في
القتال ضد
أهلنا وأبناء
شعبنا في
المناطق
الأخرى والذي
يقود في آخر
المطاف إلى
القضاء على
ظهيرنا الذي
بسببه لازلنا
محتفظين
بوجودنا ، أو
الرفض
والانضمام
إلى أبناء
شعبنا في
معركته المصيرية
ولتكن
النتائج كما
تكون. إن
تفرّق شعبنا وتمزّقه
بسبب
الانتماءات
العشائرية
والمذهبية وغيرها
من الجزئيات
كان السبب الرئيسي
لضعفنا أمام
الأعداء
وفقداننا
لأجزاء كبيرة
من أرضنا
وضياع حقوقنا
وتحولنا التدريجي
إلى أقلية في
عقر دارنا
يتحكّم بنا
الغرباء. إن
قوّتنا في
وحدتنا
والوحدة
تتطلب منّا
اتخاذ موقف
مبدئي تأريخي
الآن بالوقوف
في صف أبناء
شعبنا وترك
خندق الآخرين
وإلى الأبد.
ـ
أنت ايضا يا
شماس خامس
تحولت إلى
خندق الشباب.
هل استطاع ابن
أخيك القس
كوريال أن
يؤثرعليك
بهذه السرعة
والسهولة؟
ـ
لا، ليس في
الأمرتاثيروتأثر،
بل هذا هو
الواقع. إلى
متى نبقى
مستمرين على
الخطأ
وموالاة
الغريب الذي
يستغلّنا ويحاول
إبعادنا عن
أبناء شعبنا
وديننا؟ ألا
يكفي ما حصل
لنا وما وصلت
إليه أمورنا.
إلى متى نبقى
تابعين
للأمراء
الذين فرضهم
الغيرعلينا
في أرضنا،
يسخروننا
للعمل في
حقولهم وبساتينهم
كلما شاءوا،
ويستولون على
خيرة أراضينا
دون مقابل،
يضطهدوننا
ويذلوننا
ويجبرون أبناء
شعبنا على
التخلي عن
معتقدهم تحت
شتى الذرائع.
ألا يكفي كل
هذا لكي نتخذ
الموقف
الصحيح ونتخلّص
من هذا الواقع
المرير إلى
الأبد؟
ـ ما
رأيك يا
دانيال بما
يقوله شقيقك
الذي تحوّل
إلى صف
الشباب؟
ـ لا
أرى خطأ فيما
يقوله لكن
علينا أن ندرس
الأمور بدقة
ونخرج بموقف
واقعي موحّد
يكون لمصلحتنا
جميعا.
ـ
ماذا أردت أن
تقول يا زّيا؟
ـ
أنا أختلف عن
باقي الشباب
في اقري
ومالخثا ومن
يتفق معهم في
مخالفة رغبة
الأمير.
وأرى من
الأفضل
البقاء
وتنفيذ ما
يريده وإلا
فإننا مقدمين
على كارثة
كبيرة قد تؤدي
بنا إلى
الفناء.
ـ
كلامك معقول يا
زيّا، ولكن هل
ستبقى أنت
وحدك في اقري
مع ابنتي إذا
غادر جميع
أهالي اقري
ومالخثا
وبيبالك ؟
ـ لما لا،
ولكنني لا
أعتقد أن
الجميع سيغادرون.
ـ صحيح ما
يقوله زّيا،
فنحن أهل بيبالك
ناقشنا الأمر
فيما بيننا في
القرية كبارا وصغارا
وتوصلنا الى
موقف موحّد
وهو الرضوخ لما
يطلبه الحاج
رشيد بك وعدم
التعرّض
لغضبه وغضب
جيراننا
والحكومة،
الذين لا قدرة
لنا لمواجهتهم.
إننا سنبقى
وننفذ كل ما
يطلب منا. ويستطيع
زيّا وعائلته
السكن عندنا
في بيبالك وإدارة
أملاكه من
هناك.
لكننا نفضّل
أن يبقى
الجميع في
قراهم لكى
يكون موقفنا
أقوى.
ـ
ولكن يا
شامانا ربما
يجبرونكم على
أشياء أخرى
كالتخلي عن
دينكم كما حصل
ويحصل في
العديد من
المناطق،
خاصة إذا
بقيتم وحدكم
هنا أقلية قليلة
وضعيفة.
ـ
نأمل أن لا
يحصل ذلك يا
اوراهم. وإذا
تعرضنا لموقف
مثل هذا
فسيكون لنا
شأن آخر في
حينه.
ـ
نطلب من الرب
أن يعينكم يا شمّو
ويعيننا
ويعين كل
المساكين من
أبناء شعبنا
في هذا الموقف
الصعب علينا
جميعا.
يستمر
النقاش
ساعات عديدة
لأهمية الموضوع
وخطورة
الموقف
وصعوبة إتخاذ
قرار موحّد
بشأنه.
ـ الآن
نفترق ونحاول
أن نفكر مليّا
في الأمر وسأحاول
المماطلة في
إبلاغ موقفنا
إلى الأمير لكي
يكون لدينا
المزيد من
الوقت
للتفكير، وربما
يحصل شئ جديد
يغنينا عن
الإضطرار
للإختيار بين
أمرين أحدهما
أمرّ من
الآخر.
رافقتكم السلامة
ورعاية الرب
جميعا.
تخرج
الجموع من الكنيسة
إلى بيوتها
وقراها،
حائرة
ومختلفة في الآراء
والمواقف رغم
وحدة ما
يهددها ووحدة
المصير.

خارطة
قديمة تبين
موقع منطقة
بروار وإلى
الشمال منها
تياري
وجنوبها
منطقة صبنا

نهر
الزاب الكبير
يدخل من تياري
الى بروار.

كنيسة
مريم العذراء
العريقة في
قرية اقري.
الصورة
مأخوذة في
الخمسينيات
من القرن العشرين
الفصل
الثاني
وداعا أرض
الأجداد
يسمع
صوت رصاص في أسفل
الجبل
ويتصاعد الصوت
تدريجيا
ممتزجا بصراخ
رجال.
ـ ما هذا
الضجيج وصوت
الرصاص يا
ولدي انويا؟
ـ لا أدري
يا والدي،
لكنه كما يبدو
قتال بين رجال
العشائرعلى
غنائم وأسلاب
جنوها من
غزواتهم العدوانية
على المساكين
من أبناء
شعبنا في تياري.
بعد
قليل يدخل
لازار
وعلامات
التعب والقلق
على وجهه.
ـ ماذا
يجري يا لازار
لماذا يتقاتل
رجال
العشائرالكردية
بالقرب من
قريتنا؟
ـ لا
يا عمي ،
القتال ليس
بين أبناء
العشائر
الكردية
أنفسهم. كنت
في الحقول
أسفل القرية حينما
سمعت صوت
الرصاص،
فحاولت معرفة
الأمر ورأيت مسلحين
يتبادلون
إطلاق النار
وكان بعضهم بملابس
آشورية. إنه
قتال بين آشوريين
وأكراد.
ـ ولكن من
هم الآشوريون
الذين يقاتلون
الأكراد؟ ألم نقل
لكم أن
تبتعدوا عن العنف
مع جيراننا
مهما حصل حتى
لو بدأوا هم
التحرش بكم؟
ـ لا يا
عمي، ليس
الآشوريون من
قريتنا ولا من
مالختا أو
بيبالك ،
القتال يجري
قرب الزاب ولا
أحد من أبناء
قرانا نزل إلى
الزاب هذا
الصباح. نحن
الشباب من
القرى الثلاث
ملتزمون بما
قررتموه أنتم
الكبار ولا
نحمل السلاح
معنا في
أعمالنا، لا
في الحقول ولا
في الجبل لعدم
إثارة
الجيران
والغرباء من
رجال العشائر
وإعطائهم
مبرر لبدء
المشاكل، ولا أعتقد
أن أحدا من
الشباب يجرؤ
على مخالفة
توجيهاتكم.
ربما يكونون
من تياري
عبروا الجبل
إلى ناحيتنا
لإيقاف
التجاوزات
المستمرة على
قراهم ومصالحهم.
على كل حال
سنحاول
إستجلاء
الأمر وإخباركم
بالحقيقة. هل
تأتي معي يا
انويا؟
ـ دعه هنا
يا لازار فهو
ما زال صغيرا
وأخشى أن
يصيبه أذى.
ـ كما
تريدين يا
زوجة عمي
مامي. سأذهب لوحدي
أو بصحبة
آخرين من شباب
القرية.
ـ لماذا
تعاملينني
هكذا دائما يا
أمي؟
لم أعد صغيرا
كي تخافي عليّ
إلى هذه
الدرجة.
ـ أنها
هكذا منذ أن
غرق شقيقك
الأكبر في
الزاب. أنت
كنت يومها
طفلا صغيرا
ولا تتذكر تلك
الكارثة التي
ألمّت بنا. طبعا
يقول خامس هذه
الكلمات بصوت
خافت كي لا يذ
ّكر زوجته
مامي
بالمأساة
التي لا تزال
تؤرّقها رغم مرور
زمن طويل
عليها.
فإبنهما
البكر كوركيس
غرق في الزاب
قبل زمن طويل
وكان في
الرابعة عشرة
من عمره وكانت
يومها كارثة
كبيرة لأن
أمور كهذه
تبدو عظيمة
أيام السلم،
عكس أيام
الحرب حيث
يصبح الموت
أمرا طبيعيا
يحدث كل يوم
بل كل ساعة
أحيانا،
وكثيرا ما
يكون جماعيا
فيموت الناس بالجملة
وتحدث فضائع
أخرى أشدّ
وأقسى تجعل من
الموت رحمة
يتمنّاها
الكثيرون.
يرتفع صوت
الإطلاقات
النارية
والصراخ،
ويبدو أن
المتقاتلين
يقتربون من
اقري. أغلب
الرجال
يتركون
أعمالهم و
يعودون إلى
القرية بعد
سماع الأصوات
ويضطرّون لحمل أسلحتهم
إستعدادا
للأمر والدفاع
عن أنفسهم
وعوائلهم
ولكي لا
يؤخذوا على حين
غرّة،
فالأمر
تجاوز مسألة
الإنتظار
وتحاشى إثارة
الجيران. يصعد
بعضهم على
سطوح المنازل
وآخرون
يسدّون مداخل
القرية. يستمر
صوت الرصاص
ويقترب
تدريجيا من
اقري، وبعد
قليل تصل
مجموعة من
الرجال بالزي
الآشوري إلى
مشارف القرية.
ـ قفوا
مكانكم ولا
تقتربوا وإلا
أطلقنا عليكم
النار، صاح
لازار باللغة
الكردية من
على سطح بيته
المطل على
الطريق.
ـ لماذا
تتكلم معنا
بالكردية ؟
ألا ترى أننا
آشوريون
مثلك؟
ـ كيف لي
أن أعرفكم،
ربما تكونون
متنكرين
بالزي
الآشوري.
ـ لا يا
أخي، نحن من
تياري جئنا
لنطرد
الغرباء من
أرضكم
ونحرركم من ظلمهم
وتجاوزاتهم
ونبعدهم من
حدود منطقتنا
وننهي
إعتداءاتهم
على قرانا.
إسمحوا لنا
بالدخول
والتحدث مع
رئيس القرية
أو وجهائها.
أليست هذه
قرية اقري؟
ـ نعم
إنكم الآن في اقري.
إنتظروا هناك
لحين وصول
أعمامي وأخي
القس كوريال
والآخرين.
بعد
قليل تصل
مجموعة من
كبار السن إلى
المكان من
ضمنهم خامس
اوشانا
وشقيقه
دانيال وابن
أخيهما القس
كوريال.
ـ من
هؤلاء يا
لازار؟ وهل هم
فعلا من تياري؟
ـ
إنهم يدّعون
ذلك يا عمي
ويتكلمون
اللهجة التيارية
ولكن علينا
التأكّد من
ذلك قبل أن
نمنحهم ثقتنا
ونسمح لهم
بالدخول إلى
قريتنا.
ـ من أي
منطقة من
تياري أنتم يا
إخوتنا؟
ـ نحن
مختلطون من
عدّة قرى، من
بيراوولي
وبني بيلاثا
ومن قرى أخرى.
ـ
نعم أنا من
أولاد
عمومتكم من
بيراوولي. وقد
سمعت الكبار
من أهلي
يقولون مرارا
بأنكم أنتم
أهل اقري
ومالختا
وبيبالك وخوارا
وكذلك أهل
كليّا في دوري
كلكم أقارب
لنا، وكنّا
قلقين عليكم
وعلى كل أبناء
شعبنا في بروارطوال
هذه المدة من
ظلم رجال رشيد
بك والغرباء
من رجال
العشائرالقادمين
من مناطق أخرى
بعيدة، لذلك
قمنا بهذا
الهجوم
لطردهم
وحمايتكم من
تجاوزاتهم
وإعتداءاتهم.
ـ
وهل جئتم بأمر
من ملّك برخو؟
ـ
لا، لا ندري
إن كان ملّك
برخو على علم
بما فعلناه،
المهم إننا
طردنا
الأعداء من
منطقتكم وولوا
هاربين إلى
الجنوب عبر
جبال متينة
دون رجعة بحول
الله.
ـ هل
أنتم
المجموعة
الوحيدة أم
هناك مجموعات اخرى؟
ـ لا
لسنا لوحدنا،
بل هناك
مجموعات من
رجال القرى
التيارية
الأخرى تعمل
على
تحريرالقرى
الآشورية
القريبة منها
في بروار
والتي لهم أقارب
فيها، فنحن
نريد طرد
الأعداء من
المنطقة كلها.
ـ
ولكن هل أنتم قادرون
على منعهم من
العودة،
وماذا
تنتظرون من
رشيد بك
والقوات التركية؟
هل سيسكتون
على ما
فعلتم؟
ـ
سنقاتلهم جميعا
ونقضي عليهم،
وسترون ذلك
قريبا.
ـ
هذه أحلام
جميلة، نتمنى
جميعا أن
تتحقق، لكن
الواقع يقول
غير ذلك يا
أولادي. لقد
تعجّلتم
بقراركم
وفعلتكم هذه،
وأدخلتم
أنفسكم ونحن أيضا
معكم في ورطة
كبيرة سندفع
جميعا ثمنا غاليا
لها، لأن
الأعداء
يعتقدون الآن
أنكم جئتم بطلب
منّا ولن
يصفحوا عنّا
هذه المرة،
فالكثير منهم
كان ينتظر
الفرصة
والمبررات
لإتهامنا بالخيانة
وإقناع رشيد
بك بذلك كي
يسمح لهم بمهاجمتنا
والفتك بنا
والإستيلاء
على أرضنا. هاهي
الفرصة قد
توفرت لهم دون
عناء. ألم يكن
الأجدر بكم
الترّيث وطرح
الموضوع على
قائدكم العاقل
ملّك برخو،
الذي لا يمكن
أن يقع في خطأ
مثل هذا.
ـ
لماذا تعتبره
خطأ يا عم
خامس ونحن
جئنا لتحريركم؟
هل هذا هو
جزاؤنا ؟ ألا
تعلمون أن
العديد من
القرى
البروارية قد
تم إخلاءها
إلى تياري
لحمايتهم من
القتل وسبي
النساء
والأطفال وتحويل
الناس عن
دينهم
بالقوة، كما
يحصل في مناطق
أخرى عديدة
يصعب علينا
بلوغها وإخلائها
إلى تياري
لحمايتها. إن
المظالم وصلت
الى حدود
لايمكن
السكوت عنها.
ولن نسمح أن يحصل
لكم نفس ما
يحصل لهؤلاء.
ـ لا
يا ولدي، إن
ما قمتم به لن
يحررنا بل
سيجلب لنا
الشر والبلاء.
ثم لماذا
تعتقدون أننا
لا نستطيع طرد
الغرباء من
منطقتنا
بأنفسنا. إن
عددنا في
منطقة شرق
بروار أضعاف
عددهم ونحن لا
نفتقرإلى
الرجولة حيث
أننا كما قلتم
قبل قليل
أبناء عمومتكم
ويجري في
عروقنا نفس
الدم الذي
يجري في
عروقكم. كلما
في الأمرأننا
لا نميل
إلى التهور
والقيام
بأعمال
طائشة،
وظروفنا تحتم
علينا
التروّي
والتمعّن في
الأمور
ودراستها من
كل جوانبها
قبل التصرّف
كي لا نجد
أنفسنا في
موقف لا ينفع
بعده الندم ،
فلدينا عوائل يجب
الحفاظ عليها
وإعالتها
وإبعاد
الشرور عنها،
وهذه الأرض
لها علينا حق
ويجب حمايتها
أيضا وعدم
السماح
للطامعين بها
بالإستيلاء عليها
كما فعلوا في
مناطق شتّى،
فهي أرض
أجدادنا سال
عليها عرق
غزير
لتحويلها إلى
ما هي عليه الآن
من جنائن، وكم
سالت من دماء
زكية ودموع للحفاظ
عليها. هل
نغامر
ونتركها
لغيرنا
بسهولة؟ لا يا
ولدي الأمر في
غاية الأهمية
والخطورة ولا
يجوز تهوين
الأمور هكذا.
ـ هل
كان ما فعلناه
وكل ما بذلناه
لتحريركم
خطأً يا عم؟
أم أنكم أهل
بروار هكذا
دائما تخشون
رشيد بك
وجلاوزته؟ ما
العمل الآن؟
ـ لا
نستطيع أن
نعيد عجلة
الزمن إلى
الوراء، فقد
فعلتم ما
فعلتم وقضي
الأمر. دعونا نفكر
نحن الكبارمن
أهل المنطقة
لإيجاد مخرج من
هذا المأزق بطريقة
مناسبة وبأقل
الخسائر. أمّا
أنتم فيمكن
لكم تناول بعض
الطعام
والمبيت هنا
الليلة وعدم
القيام بأي
عمل دون
معرفتنا
وموافقتنا،
وغداً صباحاً
سنواصل
الحديث معكم
في هذا الموضوع.
يتوزع
المقاتلون من
أهل تياري على
البيوت في القرى
الثلاثة
لتناول
الطعام ويتم
تضميد جروح من
أصيب منهم في
القتال. أمّا
الرجال من اقري
ومالختا
وبيبالك
فيجتمعون في
باحة الكنيسة
تحت حراسة
مجموعة من
الشباب،
لدراسة الموقف
الصعب الذي
وجدوا انفسهم
فيه.
ـ ما
رأيكم
بالمصيبة
التي نحن فيها
يا رجال؟
ـ
إنها فعلا
مصيبة كبيرة
يا اوراهم، بل
كارثة لا تحمد
عقباها.
ـ
إنهم دائما
هكذا لا
يجلبون لنا
سوى المصائب والخراب.
ـ من
تقصد يا
شامانا؟
ـ
هؤلاء
التياريون
الذين لا
يتركوننا
وشأننا، وهم
دائما مصدرا
للقلق
والمشاكل في
المنطقة.
يجلبون
الكوارث
لأنفسهم ولنا.
إن جيرتهم لنا
كانت دائما
وبالا علينا.
ـ هل
تنظر إلى
المسألة بهذا
الشكل وبهذه
السطحية يا
شامانا؟
ـ
وكيف تنظر
إليها أنت يا
دانيال؟
ـ ما
ذنبهم أن نكون
بجوارهم وأن
يتم محاربتهم والهجوم
عليهم
إنطلاقا من
أرضنا. إن
الأمر على عكس
ما تقول،
فأعداؤهم
يأتون من
مناطق بعيدة
ويستقرون في
منطقتنا
ويتزودون بكل
ما يحتاجونه
من قرانا فنكون
بذلك نحن
مصدرالقلق
لهم. هكذا كان
الحال في كل
الحروب
والمذابح
التي تعرضوا
لها في كل الأزمان
خاصة أثناء
مذابح السفاح
بدرخان بك ،
قاتل النساء
والأطفال
والشيوخ، تلك
القصص المروعة
التي كان
يرويها
المرحوم جدي
وغيره ممن
عاصروا
الأحداث
وشاهدوا كيف
كان يتم التعامل
مع الأسرى
الذين كانوا
يقتلون
بوحشية ودون
رحمة، وكيف
كان يتم بيع
الأطفال
والجميلات من
النساء عبيدا
وجواري، وغير
ذلك من الممارسات
التي يندى لها
الجبين. كل
هذا والكثير غيره
حدث لأبناء
جلدتنا في
تياري وكانت
منطقتنا
مسرحا له حيث
كانت الجزء
الجنوبي من
الطوق الذي
كان الأعداء
يضربونه حول
تياري وعموم حكاري
للقضاء على
آخر معاقل
شعبنا، وكان
زينل بك، آغا
منطقتنا
مشاركا فعالا
في كل ذلك.
ـ ما
هذا الكلام يا
دانيال؟ إ ن
تزويدنا
لأعداء
التياريين
بما يحتاجونه
هو شئ مفروض
علينا
بالقوّة وليس
برغبتنا. وهل
بإمكاننا رفض
ما يطلب منا؟
إننا قوم
ضعفاء
ومساكين ولا
قدرة لنا
لمواجهة
الدولة
والجيران
المتعاوننين
معها، فهم
أكثرعددا
ومدججون
بالسلاح،
ونحن لا نملك
شئ من مقومات
وإمكانيات
الدفاع عن أنفسنا،
فكيف يراد منا
الوقوف بوجه
هذا الجبروت؟
ـ
صحيح ما تقول
يا بولص، لكن
هذا لا يغير
شئ من الموضوع
الذي طرحه
دانيال. إن
الغزاة الذين
يهاجمون
تياري من
الجنوب
والقادمون من
مختلف المناطق
يتركّزون هنا
ويتزودون
بالطعام وبكل
شئ يحتاجونه
من قرانا
ولولا وجودنا
وما نقدمه لهم
لكان من الصعب
عليهم
الإستمرار
بذلك ولربما
كانوا يضطرون
إلى الإنسحاب.
ـ لا
أدري ماذا
أصابكم أنتم
أهل اقري،
فتفكيركم
يبدوا غريبا
هذه الأيام.
ـ
لكن ما يقوله
خامس ودانيال
صحيح، ولا
أدري ما هو
الخطأ فيه.
إنه من الواضح
أن جهود
الأعداء تتجه
للقضاء على
شعبنا كله،
ودورنا آت
لامحالة
والمسألة
مـسألة وقت
فقط لا غير.
إنهم يريدون
الإبقاء
علينا الآن
فقط لحاجتهم
لخدماتنا
كعبيد وخدم
نزودهم بما
يحتاجونه من
طعام وشراب
ومأوى. وما أن
يفرغوا من
التياريين
حتى يأتي
دورنا.
ـ
حتى أنتم أهل
مالختا
أصابكم ما
أصاب أهل اقري
وتفكّرون
بنفس طريقتهم.
ماذا دهاكم يا
قوم وماذا
تنتظرون؟ لما
لا تحملون
السلاح
وتقاتلون إلى
جانبهم
وتعرضوا
منطقتنا إلى
الخراب
والدمار؟
ـ لا
يا شمّو، لا
نرغب أبدا في
تدمير قرانا
وتشريد
عوائلنا،
وأنت تعلم ذلك
جيدا وأفضل من
غيرك، حيث
تعرف كم نحن
حريصون على
أرضنا وأعراضنا
ومستقبل
أولادنا
وأحفادنا،
لكن ما نقوله
يدخل ضمن
فهمنا الصحيح
لحقيقة ما
يجري حولنا من
أحداث وما هو
واقع فعلا.
فالحرب جارية
على قدم وساق
في كل مكان من
حولنا والفرق
بين المعتدي
والمعتدى
عليه واضح
وضوح الشمس،
على الأقل
فيما يخص
معاناة شعبنا
وما يقترفه
الأعداء بحقه
من جرائم بشعة
قلّ نظيرها في
التأريخ.
ـ لا
أرى حاجة
للدخول في هذه
التفاصيل والأمور
البديهية،
فنحن مجتمعون
هنا اليوم للتداول
ومناقشة أمر
في غاية
الأهمية
والخطورة
يتطلب منّا
التركيز وعدم
إضاعة الوقت،
الذي لم يعد
لدينا متسعا
منه، في
جدالات
بيزنطية تضر
ولا تنفع.
إننا هنا من
أجل إيجاد
سبيل لتفادي
ما لا يرضينا
جميعا. ألآن
أصبحت
خياراتنا
قليلة ولم يعد
بالإمكان أن
نستمر بإمساك
العصا من
وسطها، وقد لا
يكون أمامنا
سوى الإختيار
بين أمرين
فقط،
الإلتحاق
بأبناء شعبنا
وتحمل
النتائج
المترتبة على
ذلك،
أوالبقاء هنا والرضوخ
لكل ما يفرضه
الأعداء
علينا، والذي قد
يصل إلى مديات
لا يمكن للبعض
أن يتصوّرها.
ـ
ماذا تقصد يا
اوراهم؟ إلى أين
يمكن أن تصل
الأمور؟
ـ
إلى ترك
العقيدة
أوالتعرض إلى
القتل الجماعي
للرجال وسبي
النساء
والأطفال
مثلما حصل كثيرا،
كما روى لكم
الأخ دانيال
قبل قليل، وهي
مرارات إعتاد
شعبنا على
إجتراعها بين
الحين والآخر
وضريبة
مفروضة عليه
منذ زمن بعيد
لأسباب
عديدة، منها
التغير
المستمر في الوضع
الديموغرافي
وميزان القوى
في المنطقة
لغير صالحنا
وتمزق وتفرق
أبناء شعبنا
بين ولاءات
لطوائف
وقبائل وأخرى
غيرها على
حساب الولاء
للشعب
وللوطن، وطمع
الآخرين
بأرضنا وأملاكنا
وإستعدادهم
على إقتراف كل
المحرمات من
أجل سلبها
والتمتع
بخيراتها.
ـ
ماذا ترى الآن
يا أخ اوراهم؟
هل يمكن لك أن
تتصل بالحاج
رشيد بك
وتعلمه بأننا
لا ذنب لنا فيما
حصل وأن
التياريين
تصرفوا بالضد
من إرادتنا.
ـ لا
أعتقد أنّ
الوقت يتسع
لذلك، وليس من
السهل إقناعه
وإقناع
الآخرين بهذا
الكلام، لكنني
لن أوفر جهدا
للإتصال به
وسأحاول أن
أعمل
المستحيل من
أجل إنقاذ ما
يمكن إنقاذه.
ـ ما
الصعب في
الأمر يا
اوراهم؟ إن
الأمير يحترمك
ويثق بك ومن
المؤكد أنّه
سيأخذ برأيك
ويفهم
موقفنا،
وأعتقد بأنه
يستطيع إقناع
ألحكومة
التركية
بكوننا رعايا
مخلصين لها
ولا علاقة لنا
بما يفعله
الآخرون. أليس
هذا صحيحا يا
قس كوريال؟
ـ
اتمنى أن يكون
الأمر كذلك يا
شمّو، ولكن
المسألة
مختلفة هذه
المرة عن
سابقاتها. فالحكومة
قد تغيرت
وتغير نهجها
تجاه الشعوب، ولم
يعد السلطان
ووكلاؤه
السابقون
أمثال الحاج
رشيد بك
وغيره
هم أصحاب
القرارالنهائي،
بل هناك مجموعة
من الشباب
الطائش
المتعصب لكل
ما هو تركي،
إستلموا
السلطة
الحقيقية
ويعملون من أجل
تحقيق أحلام
وأهداف قومية
كبيرة يعيقها
وجود شعوب
أخرى لها
خصوصياتها
اللغوية
والدينية في
قلب
إمبراطوريتهم،
ومن أجل تحقيق
هذا الطموح
ينبغي
تغييرالواقع
السائد
وتحويل هذه
الشعوب
غيرالإسلامية
عن معتقداتها
كخطوة اولى ومن
ثم القيام
بالخطوات
الأخرى
اللازمة لإكمال
المخطط.
ـ لم
نفهم شيئا مما
قلته يا قس
كوريال، وما
شأننا نحن بكل
هذا الكلام؟
كل ما نريده
ونطلبه هو رضى
الأمير وعطفه
وعطف السلطان
وعفوه. ولا نريد
أن نتدخل في
أمورلا
تعنينا ولا
قدرة لنا على
فهمها. إن سبب
بلائنا هو هؤلاء
التياريون
الذين يجب
علينا طردهم
وإخراجهم من
قرانا قبل
فوات الأوان.
فلولا تمردهم
المستمر
وأعمال الشغب
التي يقومون
بها دائما ضد
الدولة
ووكلائها لما
تعرضوا
لحملات التأديب
من جيوش
الدولة
والعشائر
الكردية
المتعاونة
معها، ولما
وجدنا أنفسنا
في هذا المأزق
الذي نحن فيه
الآن.
ـ ما
هذا الكلام
غير المسؤول
يا بولص؟ إن
كنت أنت تقول
هذا فلا عتب
على الأعداء.
إذا كان ما تقوله
صحيح فما هو
تفسيرك لما
يتعرض له
أبناء شعبنا
من الطوائف
الأخرى
كالسريان
والكلدان
وغيرهم
من مذابح
ومآسي رغم أن
قياداتهم
الروحية تعلن
بإستمرار ولاءها
الكامل
للسلطة
التركية
ويؤدي الكثير
من أبنائها
الخدمة
الإلزامية في
الجيش التركي ويدفعون
ما يفرض عليهم
من ضرائب
جائرة
كاملة غير
منقوصة وبشكل
دائم حسب ما
يرضي مشيئة
وجشع جباة
الدولة
والآغوات
وغيرهم من الطفيليين
مصاصي الدماء.
يستمر
النقاش ساعات
طويلة دون
نتيجة، بل
تزداد وتتعمق
الإختلافات،
ويظهر بشكل واضح
رأيان
متناقضان،
أحدهما يرى
ضرورة تقديم كل
التنازلات
المحتملة في
سبيل إرضاء
السلطات
التركية
ورشيد بك
وغيره،
والثاني يرى
بأن الموقف ما
عاد يتحمل
تنازلات أكثر
من التي تم
تقديمها وأن
الوقت قد حان
لإتخاذ
الموقف الصائب
والمبدئي من
المسألة، مع
إدراك أصحاب
هذا الرأي بأن
هذا سيكلفهم
غاليا،
غيرأنهم يرون
بأن المزيد من
التنازل يعني
التخلي عن كل
شئ مما
تبقّى لهم،
حتى العقيدة.
ورغم هذا
التباين في
الرأي إلا أن
الرجال من
القرى الثلاث
اتفقوا على
ضرورة عدم
إعلان
خلافاتهم
والتريث
وعدم
الإسراع في إظهار
حقيقة
الموقف
لعوائلهم لعدم إدخال
الرعب في نفوس
النساء
والأطفال،
ومنعا
للتهورالذي
قد يقود
الشباب إلى
إرتكاب حماقات
يصعب السيطرة
على نتائجها
فيما بعد، وتحرمهم
من إمكانية
المناورة في حالة توفر
فرص لتفادي
الكارثة
وتجاوز هذا
الموقف الصعب
بالطرق
السلمية. وتم
الإتفاق على
صيغة مرنة
للتعامل مع
الموقف، بأن
يتم ترك
القرار
النهائي
للمستجدات،
فإذا بقيت
الأمور على ما
هي عليه الآن
أو حصلت مفاجآت
غير متوقعة،
كأ ن تنتهي
الحرب ويتم
إنهاء هذه
الأوضاع
الشاذة، أو أن
يخسرالأتراك
الحرب وتفرض
عليهم وعلى
حلفائهم من
العشائر
الكردية شروط
إنهاء أعمال
القتل والسلب
والنهب
وأشكال المظالم
بحق شعبنا،
فخير على خير،
أمّا في حالة
عودة جيش
السلطة ورجال
العشائر
الكردية
وتمكنهم من
السيطرة على
المنطقة
وإنسحاب
التياريين منها،
سيكون لكل طرف
حق التصرف
بالشكل الذي
يراه، إمّا
البقاء
والإمتثال
لمشيئة
السلطة ووكلائها
أو الرحيل إلى
تياري مع
المنسحبين من أبنائها.
بعد
أيّام قليلة
بدأت الأمور
تتضح، ونتيجة
للقتال
في
الجزء
الشرقي من
بروار بين
التياريين من
جهة والأكراد
والجيش التركي
من جهة أخرى،
يتم إفراغ
أغلب القرى
الآشورية المتبقّية
في هذه
المنطقة
ويرحل أهلها
إلى تياري
تاركين
وراءهم كل شئ،
وتخلى القرى
الكردية أيضا
ويهرب أهلها
بإتجاه
الجنوب
والغرب، ولم
تعد الطرق
سالكة
للإتصال
بالحاج
رشيد بك الذي
يقع مقره في
المنطقة الغربية
من بروار،
ويصبح
الإنتظار
لمدة أطول دون
جدوى، بل يضعف
فرص النجاة
وإبعاد
النساء
والأطفال عن
الساحة التي
لم تعد آمنة
ولم يعد
معلوما ما
سيجري عليها
في الأيام
المقبلة، لذا
تتطلب المسألة
السرعة في
إتخاد القرار
وحسم الأمر بين
الخيارين،
البقاء أم
الرحيل وما
يعنيه كل واحد
من هذين
الخيارين
المريرين وما
يحمله من آلام
ومآسي. وبما
أن الموقف قد
نوقش من قبل
في الإجتماع
الموسع
في الكنيسة قبل أيّام
ولم يتغيرفيه
شئ نحو الأفضل
بل بالعكس تسير
الأمور من سـئ
إلى أسوأ،
لذلك يقرر أهل
اقري ومالختا
بمرارة،
الرحيل عن
أرضهم وترك البيوت
والحقول
ومراقد
الآباء
والأجداد
والمقدسات والذكريات
وكل شئ، من
أجل الأقدس من
بينها كلها،
العقيدة،
والإنسان
حامل العقيدة
ولوائها وناقلها
من جيل إلى
جيل. يقررون
الرحيل وترك الجانب
المادي من
الحياة من أجل
جانبها الروحي،
لأن من يفقد
الروح يفقد كل
شئ، أمّا
المادة المفقودة
فربما تتاح
فرص
لإسترجاعها
أو تعويضها
فيما بعد.
في
يوم من أيام
شهر أيار يبدأ
الرحيل.
العشرات من
العوائل،
رجال ونساء،
شيوخ وأطفال،
ومعهم
ما يسهل حمله
من متاع
الدنيا محملا
على
ظهورهم
وظهورما
لديهم من
دواب، يسرعون
هاربين من
قراهم،
تاركين
وراءهم في البيوت
والحقول كل شئ
مما يصعب
مفارقته
وتركه. الأقدام
تسير ببطء
نحوالأمام
والحزن يملأ القلوب
والدموع
تنهمرعلى
الخدود والوجوه
تبقى ملتفتة
إلى الوراء
تأبى تصديق
الحقيقة،
حقيقة الفراق
الذي لا أحد
يعلم نهايته، وربما
يكون أبديا،
الكل يحاول
إلقاء النظرات
الأخيرة على
البيوت
والأشجار
والصخور
والقمم العالية وكل ما
سيبقى تحت
رحمة
الأعداء، فمن
يعلم ما الذي
سيجري وكيف
ستكون
النهاية. يتجه
أهل
مالختا إلى
اقري و يتجه
الجميع إلى
كنيسة مريم
العذراء
لتوديعها
وتوديع الراقدين
على أرضها وفي
رعايتها من
أحباب فارقوا
الحياة الدنيا
في ظروف
مختلفة
ومتنوعة، هذا
الوداع هو الأصعب
والأكثر
ايلاما، يدخل
الجميع إلى
الكنيسة
للصلاة لكن
بطريقة
مختلفة هذه
المرة حيث يجب
الإسراع
بالمغادرة
فالأعداء قاب
قوسين أوأدنى
ووصولهم أصبح
متوقعا في أية
لحظة. يخرج الجمع
من الكنيسة في
عجلة، البعض
يقبّل بابها وجدرانها
وآخرون
يودّعون
قبورالأعزاء،
والنساء
يهرولن
باكيات بين
هذا القبر
وذاك. القس
كوريال
والشمامسة
يحملون
الصلبان
والكتب الدينية
وكل ما هو
مقدس لكي لا
يتم تدنيسه من
قبل الغزاة
كما يفعلون
دائما. تستمر
المسيرة بإتجاه
أسفل الجبل
ومن ثم إلى
جسر بلبل على
الزاب. تعبر
الجموع إلى
الضفة
الشرقية
وتتجه شمالا
بإتجاه تياري
من خلال منطقة
نروى. الرجال
من القريتين
ومعهم البعض
من التياريين
يحرسون المسيرة
من مختلف
الجهات
لحمايتها من
غارات الأعداء
المتوقعة.
بعد
مسيرة طويلة
وشاقة طوال
النهار تصل
الجموع إلى
منطقة قريبة
من تياري.
ينال التعب
من
الجميع،
خاصة النساء
والأطفال
والشيوخ. الكل
بحاجة إلى
الراحة لذلك
يتم إختيار
مكان تحت
أشجار البلوط
وبالقرب من
ينبوع ماء
لقضاء الليلة
أو جزء منها. يتم
وضع حراسات
على مختلف
الجهات
لتأمين سلامة
العوائل ومنع
وصول الأعداء
اليها. يأخذ
الجميع قسطا
من الراحة
ويتناولون شئ
من الطعام،
وعند بزوغ
الفجر تتواصل
المسيرة
لبلوغ هدفها،
الوصول إلى
تياري،
برالأمان
بعيدا عن
متناول الأعداء،
لكن من يدري
إلى متى
تستطيع تياري
الصمود. وإن
لم تستطع
الصمود فأين
المفر وإلى أين
سيتجه القوم؟
أسئلة كثيرة
تقّض المضاجع
ولا أحد
يستطيع
إجابتها. الكل
يصلي من أجل
السلام ويعيش
على الأمل
والحلم
الجميل، حلم
انتهاء الحرب
بشكل يضمن لهم
العيش بسلام
وأمان وكرامة
مع الجيران
دون تجاوزات
ودون إكراه
للناس على ترك
معتقداتهم،
دون قتل
وتدمير وسلب
وسبي النساء
والأطفال،
دون طمع
بأراضي الغير
والإستيلاء
عليها
بالقوة،
أحلام رائعة
وممكنة
التحقيق لو
آمن بها الطرف
الآخر من
المعادلة. لكن
كم من الوقت
سيمضي إلى أن
يفهم ذلك الطرف
معنى السلام
والتسامح
والمحبة
والعدالة؟ وكم
من روح بريئة
ستزهق
قبل أن يدرك
المعتدي
جسامة فعلته
المنكرة
ويشبع جوع
غريزته
الوحشية
العمياء؟ ما
هو ذنب
الأبرياء من
الناس أن يعيش
بجوارهم من لا
يفهم كل هذه
الأمورلا بل
حتى بعضها.
أناس لا
يعرفون معنى
للحياة ولا
يرون منها سوى
جانبها
المظلم، ولا
يدركون مغزى
الوجود
وغايته. أناس
ينظرون إلى
الآخرين
كمخلوقات من
درجات أدنى
خلقها الله فرائس يحق
لهم إصطيادها
أو أهداف
يجربون فيهم
فاعلية أسلحتهم،
يتلذذون في
قتلهم
والتنكيل بهم
وممارسة كل
قبيح من
الأفعال
بحقهم،
وينظرون إلى ممتلكاتهم
وأرضهم
كغنائم
وجنائن وعدهم
الله بها،
وإلى نسائهم
وأطفالهم
كجواري
وغلمان،
يتقاسمونها
فيما بينهم
حسب درجات
القربى إلى
طغاتهم وحسب
درجات
الوحشية
والإبداع في
قتل الأبرياء
العزّل وسفك
الدماء.
في
نهاية المطاف
يصل القوم إلى
تياري ويمرون على
بضعة قرى في
الطريق قبل أن
يصلوا إلى
أقاربهم في
بيراوولي حيث
يستقبلهم
أهلها بحرارة شاكرين
الرب على
سلامتهم. يتم
توزيع
العوائل على
بيوت القرية ويقدم
لهم الطعام
والشراب كما
هي العادة وتقاليد
الكرم
السائدة عند
العشائرالآشورية.
تمضي الأيام
الأولى بسلام
وهدوء قياسا
لماهوعليه
الحال في
بروار حيث أن
بيراوولي
بعيدة نوعا ما
عن المناطق
الساخنة التي
تجري فيها المعارك
الآن، فالضغط
الشديد
لايزال
مركّزا على مناطق
أخرى مختلفة
من البلاد،
خاصة على
الجهة الغربية
من تياري
الواقعة على
الضفة اليمنى
للزاب، حيث
الهجوم
الكبير للجيش
التركي والعشائر
الكردية
المتجمعة في
بروار،
الحدود الجنوبية
لتياري، ذلك
الهجوم الذي
يدمّر ويحرق
كل شئ أمامه
ولا يبقي
كالعادة على
حياة أو عمران.
العوائل تعبر
إلى الضفة
اليسرى من
الزاب عبرالجسر
الرابط بين
ليزان
وكيماني
والرجال الشجعان
يستميتون في
الدفاع عن
القرى لتعطيل
الغزاة لحين
اكتمال عبور
النساء
والأطفال والشيوخ،
وقذائف
المدافع
الحديثة التي
وهبها الحلفاء
الألمان
للجيش التركي
تتساقط عليهم
كالأمطار مع
الرشاشات
والقنابل
اليدوية
وغيرها من
الأسلحة
الحديثة التي
أصبحت بحوزة
الجيش وكذلك
العشائرالكردية،
بينما
الآشوريون لا يزال
أغلبهم
يستعملون
بنادق الحشو
والدّك، أي "
الششخانة " كما
يسميها الناس
المحليون.
القوم في ترقب
شديد للأحداث
لأنهم على علم
بأن نارالحرب
قادمة نحوهم
وستصل إليهم
قريبا لا محالة،
من الغرب
وكذلك من جهة
جال حيث تبدأ
العشائرالكردية
هناك بالهجوم
على وادي
سلابكّان القريب
من بيراوولي.
وفعلا يهاجم
سعيد آغا ومعه
حلفاؤه من
العشائر شرق
الزاب
فيقتلوا ويحرقوا
ويدمروا ما
يجدونه في
طريقهم، لكن
ملّّك برخو
ورجاله
الشجعان
يلقنوهم درسا قاسيا
فيسقط الأغا
صريعا في ساحة
القتال ويلوذ بالفرار
من بقى من
جلاوزته على
قيد الحياة.
بعد
انسحاب
المقاتلين من
منطقة وادي ليزان
وعبورهم إلى
الجهة
الشرقية
للزاب وإحتلال
العدو للضفة
الغربية منه
يصبح من الصعب
الاستمرار في
الدفاع عن
القرى
الواقعة في
الجهة
الشرقية وحمايتها،
لأن عبور
الزاب هي
مسألة وقت
فقط، لذلك
يتقررإخلاءها
وترحيل
العوائل
شمالا إلى الجبال
العاصية. أمّا
بالنسبة لأهل
اقري ومالختا
فيشارك البعض
من الشباب
إخوانهم
الآخرين في
القتال ويتجه
الآخرون
بالعوائل إلى
الجبال المنيعة
في منطقة ولطو
في تياري
العليا ويبقون
هناك حائرين
بإنتظارسيرالأحداث
ونتائج المعارك
الدموية. تسوء
الأحوال يوما
بعد يوم ولا
يبقى للقوم من
الطعام سوى
الحليب ولحوم
ما تبقّى لهم
من الماشية
التي كانوا قد
جلبوها معهم
من قراهم
والتي
استهلكوا
معظمها ومات
بعضها في ظروف
الرحيل
القاسية
والإهمال
وشحة الأعلاف
والماء
والمأوى وغير
ذلك مما
يحتاجه الحيوان
ككائن حي.
يتفشّى المرض
بين الأطفال
والشيوخ
والنساء وحتى
الرجال من
مختلف الأعمار
لقساوة
الظروف
وحرارة الجو
ونقص الغذاء
والماء
الصالح
وإنعدام شروط
النظافة،
ولظروف عدم الإستقرار
والخوف
وعوامل أخرى
كثيرة. تبدأ
الحيرة
بالسيطرة
على القوم
ويأخذ اليأس
والقنوط
بالإزدياد
وتبدأ
الأسئلة
تزدحم في الرؤوس
دون أجوبة
شافية، فيفرض
الندم نفسه تدريجيا
على الجميع
وبدرجات
متفاوتة. ألم
يكن من الأفضل
البقاء في
بروار
وإنتظار ما
كان سيحدث؟ هل
كان سيحدث لهم
ما هو أسوأ
مما يحدث
الآن؟
ربما كان
رشيد بك يتفهم
الموقف ويسير كل
شئ على ما
يرام وبشكل
طبيعي. من
يدري ما الذي
يجري الآن
لأهل بيبالك
وزيّا
وعائلته الذين
بقوا هناك ولم
يرحلوا؟ ترى، هل
هم على قيد
الحياة أم أن
الرجال قد
قتلوا وسبيت
نساؤهم؟ وإذا كانوا
على قيد
الحياة، فهل
هم على دينهم
أم تم إجبارهم
على
تغييرعقيدتهم؟
الفصل
الثالث
الخديعة
ـ مرحبا يا
انويا. كيف
حالك وحال
الآخرين؟ كم
أنا مشتاق
لرؤيتكم
جميعا.
ـ
أهلا بك يا
زيّا. متى جئت
وكيف وصلت؟
تعالى واحكي لي
القصة.
ـ
وصلت لتوي،
والقصة
طويلة،
سأحكيها لك
فيما بعد. أين
العم اوراهم؟
ـ
لما هذه
العجلة؟ هل
أنت مشتاق الى
هذه الدرجة
لرؤية حميك أم
أن إبنة عمي
إيلشوا هي
المتلهفة
لرؤية
والدها؟
ـ
لا يا انويا،
ليست المسألة
مسألة اشتياق
أو لهفة، بل
هناك ما هو
أهم من ذلك
أريد إبلاغه للعم
أوراهم
وللقوم كلّهم.
ثم أنّ إبنة
عمّك ليست معي
فقد جئت
لوحدي.
ـ
ماذا تقول يا
زيّا؟ أين
تركت زوجتك
وجئت؟ وماذا
تريد من قدومك
بهذه
الطريقة؟
ـ
إنها في أمان
عند أقاربنا
في بيبالك،
فلا تخشى
عليها. أمّا
سبب مجيئي
والعجلة التي
أنا فيها
فستعرفها
عندما أقابل
العم أوراهم
والآخرين
وأخبرهم
بالأمر، فليس
لدينا وقت
نضيعه ألآن.
ارشدني إلى
مكان وجود القوم.
يذهب
انويا مع زيّا
إلى السقيفة "
قوبرانا " التي
يسكن فيها
أوراهم
وعائلته.
ـ
سلام عليك يا
عم أوراهم.
ـ
مرحبا بك يا
زيّا.
ـ
كيف حالك وحال
الأهل يا
عمي؟
ـ
شكرا لله، نحن
بخير ونسأل
عنكم. كيف
حالك أنت وكيف
حال إبنتي؟ لا
أراها معك،
أين تأخرت؟
ألا تريد أن
ترى أباها
وأهلها؟
أليست مشتاقة
إلينا؟
ـ
نحن أيضا
بخيريا عمي.
أمّا عن سؤالك
عن إبنتك
فإنها ليست
معي. لقد جئت
لوحدي لأن
الطرق غير
آمنة كما تعلم
وصعبة خاصّة
بالنسبة
للنساء.
ـ
ماذا تقول يا
زيّا. كيف
هربت لوحدك،
وأين تركت
إبنتي؟ لا
أكاد أصدق
أذني.
ـ
لا تقلق يا
عمي، فهي
بخيرعند
أنسابنا في
بيبالك.
ـ
كيف تركت
زوجتك وجئت
نافذا بجلدك؟
هل جننت يا
رجل؟ أم أنك
فقدّت شيم
الرجال؟
ـ
لا يا عمي،
المسألة ليست
كما تعتقد.
فأنا لم أهرب
بل هناك أمر
هام ورسالة
جئت أبلّغكم
إياها.
ـ
ما هي رسالتك؟
هات ما لديك
يا زيّا، فلقد
أتعبت أعصابي
بتصرّفك.
ـ
إنها رسالة من
الحاج رشيد
بك.
ـ
أين الرسالة؟
ـ
الرسالة
شفهية يا عمي.
ـ
ماذا يريد
الحاج رشيد بك
منّا؟
ـ
يريدكم أن
تعودوا إلى
قراكم
وبيوتكم التي
هي في إنتظاركم.
ـ
هل قال لك ذلك
بنفسه؟ أين
قابلته يا
زيّا؟
ـ
لم أقل أنني
قابلته يا
عمي.
ـ
لكن كيف أخبرك
برغبته في أن
نعود؟
ـ
لقد أرسل شخصا
أخبرنا بذلك.
ـ
لا تصدّقه يا
عمي، إنه
يكذب. أنظر
إليه جيدا. إنه
قد حلق رأسه
وأصبح واحدا
منهم.
ـ
أسكت يا انويا
ولا تتكلم، فلا حاجة
لنا بآرائك
المتطرفة
كالعادة. يوجد
هنا من الرجال
الحكماء ما
يكفي لمناقشة
هذا الأمر وفهمه
على حقيقته.
من هو الرجل
الذي أرسله
الحاج يا
زيّا؟
ـ
قال أن
إسمه حسن ولا
أعتقد أنك
تعرفه يا عمي
فهو ليس من
منطقتنا.
ـ
إنه يكذب يا
عمي، كما قال
أخي انويا.
ـ
أسكتي يا
سينم. متى
أصبح للنساء
حق الكلام
بحضرة الرجال
والتدخل في
أمور خطيرة
كهذه؟
لكن يا زيّا،
كيف يرسل
الحاج إلينا
رسولا ممن لا
أعرفهم؟
ـ
هل سمعت يا
عمي، إنه يكذب
كما قلنا لك
قبل قليل. إذا
صدّقناه
وفعلنا كما
يقول فإننا
سنرمي بأنفسنا
فى التهلكة.
هل تستطيع أن
توضّح لنا
لماذا حلقت
شعررأسك يا
زيّا؟
ـ
إنني فعلت ذلك
يا انويا لكي
أموّه على
الألاف الذين
مررت بهم في
طريقي إليكم.
هل تعتقدون أن
إختراقهم هو
بهذه
السهولة؟ ثم
كيف تشكّون ولو
للحظة واحدة
بأنني
سأخونكم؟
ألستم جميعكم
أهلي
وأقاربي؟
ـ
نحن لا نشك بك
يا زيّا، لكن
هل تستطيع أن
تجيب على
سؤالي وتوضّح
ما قاله مبعوث
الحاج رشيد
بك؟
ـ
أكّد الرجل
وأقسم بأن
الحاج أستغرب
عندما علم
بأنكم قد
غادرتم
قراكم، وأنه
أرسله لكي يعلمنا
بموقفه
المساند لنا
واستعداده
لحمايتنا من
الإعتداءات،
أيّا كان
مصدرها، فأنت
تعلم يا عمي
مدى إحترام
الحاج لك،
ومدى ثقته بك
والعشرة
الطويلة بينك
وبينه، وما
قدّمناه له
طوال حياتنا.
أما سبب إرساله
لهذا الرجل
ربما يكون
لعدم توفّر
غيره ممن تعرفهم.
ـ
إن ما تقوله
عن الذي كان
بيننا وبين
الحاج صحيح يا
زيّا، لكن
الأمر تغير
الآن بعد
مغادرتنا
بروار دون
علمه، وربما
يعتبر ذلك
خيانة من
جانبنا
وتعاون مع
أعدائه.
ـ
لو كان الأمر
كذلك لما أرسل
الرجل إلينا
لنبلغكم
بموقفه
وطالبا منكم
العودة. إنه
قلق عليكم
وعلى عوائلكم
من الغربة
والحرب
الدائرة هنا
والجوع
والمرض،
ويخشى أن
يصيبكم مكروه
في هذه البقاع
الغريبة
بعيدا عن
أهلكم
ودياركم. لما
كل هذا العذاب
وأنتم أهل عز،
لكم أرضكم
وحقولكم
ومزارعكم
وبيوتكم التي
تنتظركم،
والتي يطمع
بها آخرون؟
ـ
لمن هذا
الكلام يا
زيّا، لك أم
للأمير؟
ـ
إنه كلامه هو،
نقله الرجل
إلينا.
في
هذه الأثناء
يتجمّع
الرجال من
اقري ومالخثا
في سقيفة
أوراهم
لملاقاة زيّا
والإستماع
إليه وإلى
الأخبارالتي
جاء بها من
بروار.
ـ
ما رأيكم يا
رجال بما
يرويه زيّا؟
ـ
إن ما يقوله
فيه الكثير
مما ينبغي
دراسته جيّدا
والتفكير فيه.
نحن هنا في
غربة، ورغم
تقديرنا لما
يقدمه لنا
أبناء
المنطقة من
مساعدات، إلا
أننا نعاني
الكثيرولا
ندري ما الذي
يخفيه لنا
القدر وكيف
سيكون
المستقبل.
الهجمات
مستمرة ومتواصلة
من كل
الإتجاهات
والأطراف،
ولا أحد يدري
كم من الوقت
سيكون بمقدور
أهل تياري الصمود
أمام هذه
الأمواج
البشرية
الهائلة المدججة
بأنواع
الأسلحة
المتطورة،
هذه الجموع التي
تستميت
للسيطرة على
المنطقة
وإبادة أبنائها.
وإذا بقينا
هنا فإننا
نربط مصيرنا
بمصيرهم.
ـ
ماذا تقصد يا
اسحق؟
ـ
لا أقصد شيئا
وإنما اردّت
أن أوضّح
الصورة فقط.
ـ
إن ما يقوله
اسحق صحيح ،
فمعاناتنا
كبيرة وأطفالنا
يموتون أمام
أعيننا ونحن
عاجزون عن فعل
شئ ، ونساؤنا
بدأ المرض
يفتك بهنّ وما
عدن يتحملّن
الأعباء
الثقيلة
والشحّة في كل
شئ من غذاء
وماء وكل
متطلّبات
الحياة. حتى
أن مضّيفينا
بدأوا يتضايقون
تدريجيا من
وجودنا بينهم
ومزاحمتنا لهم
في القليل
الذي بقي
لديهم، وهذا
من حقهم لأن
الحرب طال
أمدها وستطول
أكثر والقوم
يخشون من
مجاعة قادمة.
لكن من ناحية
أخرى فإن العودة
فيها مجازفة
حيث لا ندري
مدى الصدق
فيما يقوله
زيّا، مع
احترامي
وتقديري له
على ما تحمّله
من مشاق السفر
للوصول إلينا
وإبلاغنا برغبة
الحاج رشيد بك
وإستعداده
لحمايتنا.
ـ
ما يقوله
الشماس موشي
عن موقف البعض
من أهالي
المنطقة
صحيح، فقبل
أيام حصلت
مشادّة بين بعض
الشباب من
أبناء
المنطقة وبين
نسائنا في أحد
الكروم حيث
كنّ يجمعن ورق
العنب.
ـ
لماذا لم
تخبروني
بذلك؟ ومن هم
الشباب الذين
تجاوزوا على
نسائنا. إن
أهل أثرا
درومتا الذين
نحن في
ضيافتهم أهل
كرم وأخلاق
وأصول ولن يقبلوا
بذلك، ولا بدّ
أن هذا العمل
قام به بعض السفهاء
دون علم
الكبار.
ـ
لا بدّ أن
الأمر كما
تقول يا
أوراهم،
والمسألة
انتهت دون
إشكالات،
لذلك لم نود
إطالة الحديث
عنها.
ـ
إذن لنترك ذلك
ونعود إلى
موضوعنا. ما
العمل وكيف
سنتصرّف
الآن؟
ـ
الرأي رأيك يا
اوراهم فأنت
أدرى منّا
جميعا بما
يجري ويدورمن
أحداث وما يتوجب
عمله.
ـ
لكن الوضع
معقّد جدا يا
شمّاس خنانو،
وليس من السهل
إتخاذ قرار
فيه دون
مساهمة جميع
المعنيين، لذلك
يجب أن نناقش
التفاصيل مع بعضنا
البعض ونخرج
بقرار يكون
لصالح عوائلنا
ومستقبل
أطفالنا.
ـ
الحق معك يا
اوراهم
فالمسألة
خطيرة للغاية ولا
تتحمل الخطأ،
لكن الظروف
تضغط علينا
بإتجاه
الإسراع
بإتخاذ القرار.
ـ
ماذا ترى يا
شمّاس خامس؟
لم أسمع منك
رأي حول
الموضوع.
ـ
ماذا أقول يا
أوراهم؟ ليس
من السهل أن
يقول المرء شئ
في مسألة
بهذاالغموض
والتعقيد. نحن
أناس مسالمون
نكره الحرب
وما تجلبه من
مآسي وكوارث لنا أ
وللآخرين،
وقد أجبرتنا
الأحداث على
الهروب وترك
كل ما نملك في
سبيل حماية
عوائلنا من
شرور تعرّض لها
أبرياء من
أبناء شعبنا
في مناطق
عديدة من بلادنا.
ولكن من يفهم
هذا المنطق
ومن يتعامل معنا
من هذا
المنطلق؟ لا
ندري ما كان
سيحدث لنا لو
بقينا في
قرانا. ربما
كان من الأ فضل
البقاء كما
فعل زيّا وأهل
بيبالك، لكن
الأوان قد فات
الآن وتعقّدت
المسألة
وأصبحنا في عنق
الزجاجة كما
يقال، وإذا
عدنا الآن
ربّما نتعرض
إلى عقاب شديد
بتهمة
الخيانة
والتعاون مع
التياريين
والمارشمعون
الذين
يعتبرون متمردون
وأعداء
الدولة
والعشائر
الكردية الموالية
لها ومن ضمنهم
الحاج رشيد بك
نفسه.
ـ
وماذا تقول
أنت يا شمّاس
إسرايل؟
ـ
لا أدري ماذا
أقول، فليس
هناك شئ
أستطيع إضافته
لما قاله
الشمّاس خامس
والآخرون.
يستمر
النقاش ساعات
طويلة، وتطرح
آراء مختلفة
ومتعارضة،
ويختلف القوم
في المواقف،
لكن قساوة
الظروف وسوء
الأحوال
الماديّة
والنفسية
وسيطرة اليأس
على أغلب
الرجال،
خاصّة كبار
السن وأصحاب
العوائل الذين
يرون معاناة
أطفالهم
ونسائهم أمام
أعينهم وهم
عاجزون عن
تقديم يد
العون
والقيام بأي
شئ
لمساعدتهم،
وعدم وجوء
بصيص من الأمل
في إمكانية
الخروج من هذا
الموقف الصعب
يجعل الجميع
عرضة
للإستسلام
لمشيئة
القدروقبول
أي حل، كالغريق
الذي يتعلق
بقشّة لعلّها
تنقذه من الغرق.
في النهاية
يتم ترك الأمر
والقرارالحاسم
والأخيرلأوراهم،
أكبرهم سنا
وأكثرهم خبرة
في الحياة
وأمور الدنيا
حسب اعتقادهم.
في
صباح اليوم
التالي يجتمع
الرجال في
سقيفة اوراهم للإستماع
إلي القرار
المصيري بشأن
بقائهم أو
العودة إلى
قراهم التي
هجروها قبل
حوالي ثلاثة أ
شهر.
ـ
صباح الخيريا
أوراهم.
ـ
صباح الخيريا
رجال.
ـ
كيف حالك
اليوم؟
ـ
ربما لن
تصدّقوا إذا
قلت لكم أنني
لم أنم ولو
للحظة واحدة
طوال الليل.
ـ
لماذا يا
أوراهم؟
ـ
بسبب ما ألقيتموه
على كاهلي من
مسؤولية
جسيمة لا يمكن
لرجل أن
يتحملها.
ـ
لماذا
تعتبرها
جسيمة إلى هذا
الحد يا أوراهم؟
ـ
لأنها كذلك يا
هسدو، فقد
حمّلتموني
ثقلا لا طاقة
لي به.
ـ
ولكننا
أعطيناك
الكلمة
الأخيرة في
هذه المسألة
المصيرية
لثقتنا بك
وبإمكانياتك
في إدراك
الأمور
المعقّّدة
وإيجاد حلول
مناسبة لها.
أليس الأمر
كذلك يا رجال؟
ـ
بلى يا
كوركيس،
فثقتنا
بشقيقك
ومعرفته بأحوال
الدنيا هي
التي جعلتنا
نضع مصيرنا
بين أيديه.
ـ
ولكن المسألة
أكبرمن ذلك
وأعقد يا
مرخايي، فهي
مسألة حياة أو
موت للعشرات
من الرجال ولعوائلهم
وأطفالهم. وأنا
واحد منكم ولا
أملك من
المعارف
والمعطيات ما
يكفي لحسم
قضية بهذه
الخطورة،
خاصّة في هذه الظروف
الصعبة
والغموض الذي
يحيط بها من
كل جانب.
ـ
ولكن
يتوجب علينا
الخروج من هذا
الموقف
بطريقة ما
وبأي شكل من
الأشكال، وقد
تركنا الأمر
لك منذ الأمس
يا أوراهم،
ونحن الآن
بانتظار
رأيك لأننا لا
نملك الكثير من
الوقت
فالأحداث
تتسارع
وعلينا إستباقها
والتصرف
بسرعة قبل
فوات الأوان.
أليس كذلك يا
رجال؟
ـ
بلى يا
خوشابا، يجيب
الرجال بشكل
جماعي.
ـ
إن كان الأمر
كذلك
وكنتم جميعا
مقتنعين بترك
الأمر لي فأنا
أرى أن المكوث
هنا ما عاد ممكنا
للأسباب التي
طرحناها
وناقشناها
بشكل مستفيض
في الليلة
الماضية. لذلك فأنا
أميل إلى
العودة إلى
أرضنا وقرانا
وبيوتنا، رغم
ما قد يصيبنا
جرّاء ذلك. فماذا
تقولون؟
ـ
الرأي رأيك يا
أوراهم؟
ـ
هل أنتم
جميعا
موافقون؟
ـ لكن يا
عمي، ألا ترى
أن قرارك هذا
خطير وفيه
مجازفة
بأرواح
الناس؟
ـ
هل
لديك حلّ آخر
فيه ضمان
لحياة الناس
وسلامتهم يا
انويا؟
هل تبقى أنت
الذي تعارضني
على الدوام
وأنت ابن أخي
وأقرب الناس
إلي؟
ـ
أنت تعلم
مقدار حبي
وإحترامي
وتقديري لك يا
عمي، وكذلك
مدى كرهي
للوقوف في وجهك
ومناقشة ما
تطرحه من آراء
وما تقرره،
لكن المسألة
خطيرة جدا هذه
المرّة وينبغي
مناقشتها من
كل جوانبها
قبل إتخاذ القرار
النهائي
فيها، أليس
كذلك يا قوم؟
ـ
لا تستمر في
مناقشة عمك
بهذه الطريقة
يا ولدي
فهو أعرف منك
ومنّا جميعا
بهذه الأمور.
ـ
نعم يا انويا
إنك تطيل
الكلام مع
عمك، وهذا لا
يليق بشاب
مثلك في مقتبل
العمر تنقصك
الخبرة في الحياة
ومعرفة
اسرارها.
ـ
كما تشاء
ياعمي طليا.
إن كنتم جميعا
على إتفاق مع
رأي عمي
أوراهم
فليس لدينا
ما نضيفه، بل
علينا
الإسراع
بإعداد
أنفسنا وعوائلنا
للرحيل.
ـ
نعم، علينا
الإسراع في
الإعداد
للرحيل، كما
يجب البحث عن أفضل
الطرق
وأكثرها
أمانا للوصول الى
منطقتنا،
وأعتقد أن
زيّا أكثرنا
معرفة بهذه
المسألة لأنه
آخر من جاء من
هناك ويعرف الطرق
الآمنة من
غيرها. أليس
كذلك يا زيّا؟
ـ
نعم يا عم
شمعون، لا
تفكروا
بالأمر فأنا
مستعد أن
أتولى مهمة
الطريق من هنا
إلى منطقتنا، وإنشاء
الله سنصل
جميعا بسلام
وتنتهي
معاناتنا وتصبح
هذه الأيام
الصعبة مجرد
ذكريات لا
غير.
ـ نتمنى
ذلك يا زيّا،
ونأمل أن
تستطيع إتمام
هذه المهمة
الصعبة التي
ألقيناها على عاتقك.
إنك بذلك تكون
قد قدّمت خدمة
كبيرة لأقاربك
وأبناء جلدتك
لن ينساها
أحدهم لك مدى
الدهر.
ـ
أطلب من الله
أن يمكنني من
ذلك يا عم
أوراهم. كما
انني لا
أستطيع
الإستغناء عن
عونكم وإرشاداتكم
فالبركة فيكم
أنتم الكبار
ونبقى نحن الشباب
دائما بحاجة
ماسّة إلى طلب
المشورة منكم
في كل خطواتنا
وأعمالنا.
ـ
بارك الله فيك
يا ولدي.
يتم
الإتفاق على
الإجراءات
اللازمة
للرحيل
ويتقرر أن
يقوم أوراهم
بإخبار المضيفين
من أبناء
تياري العليا
الكرماء
والآخرين من
أبناء
العشائرالآشورية
الموجودين في المنطقة بقرار
الرحيل وما
يتطلب ذلك من
إجراءات ونوع
المساعدات
التي يمكن
تقديمها لهم
للمرور دون
إشكالات في
المناطق التي
يدور فيها قتال
بينهم من جهة
وبين الجيش
التركي
والعشائر الكردية
من الجهة
الأخرى.
يفترق
القوم ويذهب
كل واحد منهم
إلى عائلته ليخبرهم
بالقرار ولكي
تبدأ
إستعدادات
الرحيل. أما
أوراهم فيذهب
للقاء بعض
وجهاء
المنطقة لإخبارهم
بقرار العودة.
ـ
ما هذا الكلام
الذي تقوله يا
أوراهم؟
ـ
كما قلت لكم،
فإن القوم
قرروا العودة
رغم ما في ذلك
من
مخاطر؟
ـ
كيف ومتى
اتخذتم هذا
القرار
الخطير وما
الذي دفعكم
لإتخاذه؟
ـ إن رشيد
بك قد أبلغنا
برغبته في
عودتنا إلى
ديارنا
وإستعداده
على حمايتنا.
ـ
ولكن هل لديكم
ثقة بهذا
الرجل بعد كل
ما فعله هو
ورجاله بشعبنا؟
ـ
إنّ معاناة
عوائلنا وعدم
قدرتنا على
الإستمرارعلى
هذا المنوال
هي أيضا من
العوامل التي
ساعدت على
إتخاذنا لهذا
القرار.
ـ
هل بدر أي
تصرف من أحدنا
أساء إليكم أو
أزعجكم؟
ـ
لا بالعكس،
فقد كنتم
كرماء معنا
رغم ظروفكم الصعبة.
ولا نستطيع
الإستمرار
بالإثقال
عليكم.
ـ
قل الحقيقة يا
أوراهم، هل
أزعجكم أحد من
شبابنا؟ لقد
سمعنا بما حدث
في الكروم وقد
أنّبنا الشباب
على فعلتهم
وأقسموا
بأنهم لم
يقصدوا الإساءة،
وإنما كانوا
يمزحون فقط.
ـ
لا يا رجل،
قرارنا في
العودة لا
علاقة له بهذه
الأمور
البسيطة. إن
إستضافتكم
لنا وحسن
تعاملكم
معنا
والحماية
التي وفرتموها
لنا
ولعوائلنا
سوف تبقى
خالدة في
ذاكرتنا وذاكرة
أولادنا
وسنورثها
لأحفادنا
والأجيال
القادمة. كل ما
هناك أن القوم
ما عادوا
قادرين على
الإستمرارعلى
هذا الحال،
لذلك قرروا
العودة
وتسليم
أمورهم إلى
الله.
ـ القرار
قراركم، لكن
حرصنا
وخشيتنا
عليكم من بطش
الأعداء
ووحشيتهم هو
الذي يجعلنا
نطلب منكم
إعادة النظر
في قراركم
والبقاء
معنا، فأرضنا
هي أرضكم
ومالنا
مالكم،
وأبوابنا
لازالت
وستبقى
مفتوحة أمامكم،
ونطلب
المعذرة عن
التقصير
تجاهكم.
ـ
لا بالعكس،
فقد كنتم أهل
كرم معنا، كما
هو معروف عنكم
دائما،
ونشكركم على
كل ما
قدّمتموه لنا طوال
فترة مكوثنا
بينكم.
ـ
ومتى قررتم
الرحيل؟
ـ
غدا صباحا
بحول الله.
ـ
اطلبوا ما
تشاءون من
مساعدة. سنرسل
معكم مجموعة
من المقاتلين
لمرافقتكم
إلى خارج
مناطقنا،
وإلى أبعد من
ذلك إن شئتم.
ـ
شكرا جزيلا. يكفي ما
قدمتموه لنا لحد
الآن
ولا نريد أن
نثقل عليكم
أكثر من ذلك.
صباح
اليوم التالي
تبدأ مسيرة
العودة. طابور
من الرجال
والنساء
والأطفال من
مختلف الأعمار
يتحركون من
تياري العليا
جنوبا إلى
تياري السفلى
بإتجاه بروار.
التعب والقلق
يبدوان واضحين
على ملامح
الجميع
وحركتهم. قبل
حوالي ثلاثة
أشهر كانت
المسيرة
بالإتجاه المعاكس
وكانت
الأحوال
مختلفة. صحيح
كانت مسيرة
محزنة لأن
القوم تركوا
يومها أرض
الأجداد، إلا
أن القوم
كانوا في صحة
أفضل مما هي
عليه الآن بعد
هذه المدة من
المعاناة
بسبب الغربة
والقلق
والحزن
والخوف وعدم
الاستقرار
والشحة في كل
شئ من مأكل
ومشرب وملبس
ومسكن وشروط النظافة
وغير ذلك من
مقومات
الحياة.
المسيرة الآن
بإتجاه أرض
الأجداد التي
يحن إليها
الكل، مما
يعطيهم نوع من
القدرة على
التحمل والأمل
في بلوغ
شكل من اشكال
الإستقرار، لكن في
الوقت نفسه
فإن المسيرة تتجه
نحوالمجهول، حيث
لا أحد يعلم
ماذا ينتظرهم
وماذا سيحدث
عندما
يغادرون حدود
المناطق التي
لا تزال سالمة
من الإحتلال. ينال
التعب من
الجميع خاصة
النساء
والشيوخ
والأطفال، لذلك يتم
اختيار مكان
آمن
للراحة قبل
الوصول إلى
المناطق التي
سقطت بأيدي الجيش
التركي
والعشائر
الكردية. بعد
قسط من
الراحة، يقرر
القوم السير
ليلا وفي
المسالك
البعيدة عن
الطرق العادية
المعروفة
والتي تعج
بالمسلحين وذلك لتقليل
فرص الالتقاء
بهم والتعرض
لمواقف لا
تحمد عقباها،
لحين عبور
منطقة تياري
وأبنيانش
ونيروى
والوصول إلي
بروار حيث تختلف
الأمور بسبب
معرفة القوم
بتفاصيل
جغرافية
المنطقة
وشعابها ومسالكها
ولكون الحاج
رشيد بك هو
المسؤول فيها وبإمكانه
بل من واجبه
حمايتهم في
حالة تعرّض الغير
لهم، خاصّة
وأنه هو الذي
أرسل في
طلبهم. الطريق
طويل وشاقّ و
محفوف
بالمخاطر، لكن
زيّا يستمر
بطمأنة القوم
ويحاول قيادتهم
عبرالطرق
التي تجنبهم
الإلتقاء
بأحد، نفس
الطرق التي
سلكها عندما
جاء من بروار
ليقنعهم بالعودة.
أغلب
المناطق التي
كانت مأهولة
بالسكان قبل
مدّة قصيرة
وجميع قرى
شعبنا التي
يمرون بها
يجدونها
خالية من
سكانها
كليّا، مدمّرة
ومحروقة.
ـ
لماذ لا يوجد
أحد في هذه
القرى يا جدّي؟
ـ
لأن كل الذين
سلموا من
المجازرالوحشية
وبقوا على قيد
الحياة هربوا
وتركوها أمام
زخم الهجمات
البربرية
للأعداء
وأزيزالمدافع
والقنابل
المدمّرة.
ـ
ولكن لماذا
يحرقون
ويدمّرون
القرى والبيوت
والمزارع وكل شئ؟
أليست
مشكلتهم مع الناس
من أبناء
شعبنا الذين
يعتبرونهم
كفّار
ومتمردون
وخونة؟ ما هي
مشكلتهم مع
الأرض
والحيوان
والنبات؟ هل
هم أيضا كفّار
وخونة؟
ـ لأن هؤلاء الغزاة مثلما يعرف عنهم تفننهم في القتل والتنكيل بخصومهم من البشر، فمن المعروف عنهم قدرتهم على التدميرالسريع والكامل لكل شئ يجدونه أمامهم من ممتلكات الغير، وهذا ناتج عن الحقد على الآخرين وعقدة الشعور بالنقص لعجزهم عن بناء وتشييد أي شئ له علاقة بالحضارة والتطور، وعدم قدرتهم على الإنتاج والإبداع في المجالات المادية والروحية مما يفسر سلوكهم الطفيلي في كل جوانب الحياة، فلا معتقدهم نابع من داخلهم ولا لغتهم تكتب بأحرف وخط من إبداعهم ولا الأرض التي يتواجدون عليها ويدّعون زورا ملكيتها، هي أرضهم. إنهم كذلك عاجزون عن إنتاج ما يسد رمقهم ورمق عوائلهم لأنهم لا يجيدون حرفة أو مهنة، فيمتهنون الغزو والسطو على ممتلكات الآخرين وسلبها وقتل الأبرياء من أصحابها، كبارا وصغارا من دون تمييز، إرضاءا لجوعهم النفسي لسفك الدماء الزكية إضافة لإشباع حاجاتهم الماديّة. إنهم في سلوكهم التدميري هذا يا ولدي يشبهون الذئب الذي اذا دخل بين قطيع من الغنم لا يأخذ حاجته فقط ، بل يفتك بمجموعة كبيرة من الأغنام ليشبع بذلك حاجته الغريزية للقتل والفتك بالضعفا