اين كَاريزما(1) الكَلدواشوريين السُريَان...؟

بقلم نبيل البازي

للإنسان مٌميزاتٌ خاصة في المٌجتمع، تتمثل بقواه العقلية وقدرته على التفاعل مع مجتمعه، وهو صاحب النهوض الفكري والسياسي، وعنصر مكون للنسق الاجتماعي ينخرط بالمجتمع بمزايا فردية ويشارك في النشاط الاجتماعي بتفاعله مع الناس وليس بشكل منعزل ..وان كل فرد يدخل الى التاريخ شيئأ ما ذاتيأ خاصا به . وفي نشاطه هذا ليس بوسعه ان يغير السير الاساسي للاحداث ولكن يستطيع ان يضع مسحة من شخصيته فيها وتظهر الشخصية البارزة في التاريخ ...و قلة هم صناع التاريخ الكبار الذين لعبوا دوراً كبيراً في عملية التغيير على مرّ العصور، والتي تقنرن بالتطورات السياسية والاجتماعية.

ظهرت في التاريخ شخصيات خارقة وخلاقة والتي عاصرت الاحداث واستطاعت بشكل فعال ان تؤثر في توجيه الناس لتحقيق اهداف سياسية ولو كانت مرحلية امثال غاندي،هوشيمانه، لينين ، جيفارا ، ماوتسيتونغ، كندي و عبدالكريم قاسم ، وبامكان اعتبار اغا بطرس من الشخصيات المؤثرة فيما يخص قضيتنا القومية . وكانت لهذه الشخصيات قدراتها الذاتية و المؤثرة بشكل فعال على الساحة الاقليمية والدولية واستنادأ الى هذا المنطق تطلق عليهم " الشخصيات المؤثرة او الخارقة او الساحرة" وبشكل عمومي تسمى الشخصية الكاريزماتية.

يعتبر الشعب الآشوري اليوم بأمسّ الحاجة إلى "شخصية كاريزماتية"، خصوصاً في ظل اقتراب الانتخابات العراقية حيث رُشحت شخصيات عراقية مختلفة والهدف الاساسي من هذه الانتخابات هو وضع الدستور الدائم للبلاد والذي سيحدد مستقبلا التوجه الوطني العراقي من النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ورشحت قوائم متعددة ذات اتجاهات علمانية ( يسارية وليبرالية) وقومية ودينية وشارك الكلدواشوريون السريان فيها بقوائم مختلفة منها قائمة الرافدين الوطنية وغيرها، وطبعأ لايغير الان هذا من شيء مطلقأ لكون ما حصل هو نتاج للاصطفاف السياسي الذي حصل في هذه المرحلة.. والتطورات التي نعيشها تؤكد على الحالة المأساوية التي خلقت نوع من عدم الوضوح في الرؤية المستقبلية من خلال الممارسات العملية لهذه التجمعات التي لم تستوعب مدى خطورة المرحلة والمتمثلة بكتابة الدستور الدائم للعراق ...كان من الافضل ان تدخل المؤسسات الكلدواشورية في حوار مع اليسار الذي يشكل القوة الاكثر مناصرة لقضايا القوميات التي تمتلك قدرات محدودة والتأثير ايضأ على البرنامج الانتخابي لهذه القائمة التي دخلت تحت اسم "اتحاد الشعب" ...

وشارك في القوائم عددٌ من القيادين ومن مختلف المؤسسات التنظيمية ولوحظ ايضأ نوع من الارباك في كيفية المشاركة وفي قيادة هذا الشعب وبالذات في هذه الفترة الحرجة وذلك من خلال انسحاب بعض الاطراف او الاتهامات التي توجه من فلان ضد فلان ... وبإمكاننا الإستخلاص ان مهمتها لم تكن مرتبطة بكيفية قيادة هذه الجمهرة فحسب بل تلخصت مهمتها الاساسية بالحصول على مقاعد اكثر من دون ان تدخل في تحالفات سياسية بالرغم من ضرورتها في هذا المنعطف التاريخي الهام، ولم يتحقق الهدف النبيل المتمثل بالقيادة الحكيمة المؤثرة على الساحة القومية والوطنية.

اليوم شعبنا العراقي بشكل عام والكلدواشوري بشكل خاص بحاجة الى كاريزما حقيقية من نوع "خاص" لانقاذ المجتمع من خلال التأثير المباشر على الاحداث وخلق الظروف الموضوعية لتحقيق التغيير، وذلك بمشاركة الجماهير عبر مشروع سياسي واضح.. وللحركات السياسية المتواجدة تجربة قليلة في قيادة الجماهير وخاصة بعد ظهور العديد من التجمعات والاحزاب السياسية التي تتسم بحداثتها، وكذلك لعدم تكامل وتوافر الشروط الموضوعية والذاتية في الشخصية التي تريد ان تقود التغيير او عدم قناعة الجماهير بما يطرح من حلول سياسية من قبلها ... وكل هذا ناتج حتمي بسبب الظروف السياسية الغير طبيعية التي مر بها العراق خلال 40 سنة من الطغيان والقضاء على الحرية السياسية.

وزاد الوضع اكثر تعقيدأ بوجود القوات الاميركية واعتماد البعض على العامل الخارجي في ترتيب البيت الخاص والرهن على هذا الحصان الخاسر وتعتمد بعض القيادات عليها بحكم تصورها الخاطيء الذي يعزي امتلاك البيت الابيض هذه "القدرة الالهية" اي القوة الكاريزمائية في تغيير العراق نحو الديمقراطية ولن تسعى هذه القيادات في أخذ مهمة قيادة المجتمع نحو التغيير على عاتقها، ولازال الكثير يروج لمثل هذه التصورات في نظرته المستقبلية للعراق.

وسؤال اخر يطرح نفسه، هل الظروف الموضوعية والذاتية ناضجة لظهور مثل هذه الحركة ؟

كما هو معروف، إنّ الحركة الكارزمائية تظهر في كل المجتمعات بغض النظر الى تطورها الاجتماعي او السياسي بحكم التغيير الذي يمسّ المجتمعات كل يوم.

وهي تظهر بالذات في الحالات التالية :

- وجود ازمات في المجتمع، قد تكون ذات طابع ايديولوجي او اقتصادي أو سياسي أو إجتماعي أو الكلّ معأ.

- وجود الشخصيات المستعدّة للبدء بهذه الحركة.

- وجود الاجواء والظروف السياسية والاجتماعية متكاملة والتي تؤمن بتحقيق هذا التغير عبر الرموز والشخصيات.

- وجود جماهير تؤيد هؤلاء الناس للقيام بهذا الدورالقيادي وتخضع له عن قناعة لتحقيق التغيير.

- التوجه الى العامة او المجتمع عند بروز مثل هذه الازمات الاجتماعية او الاقتصادية.

وتسيطر اليوم على العراق ازمة وطنية شاملة ؛ أمنية - اِقتصادية اِجتماعية سياسية، وذات طابع ايديولوجي، إذاً فالأجواء مُهيّأة للتغيير ... ولكن بأي اتجاه، مع كل هذا الغموض في الأفق السياسي ؟؟

وكذلك من الذي سيقود التغيير في هذه المرحلة الانتقالية ؟؟ ... وأسئلة اخرى كثيرة تطرح اليوم على مؤسساتنا السياسية الكلدواشورية ..هل هي قادرة على المواصلة او اخذ دور الحركة الكريزماتية ؟؟ وهل تستوفي الشروط لظهور مثل هذه الكاريزما للكلدواشوريين السريان ؟

 

1 ـ كلمة الكاريزما Charisma مستمد أصلا من العهد الجديد في النص اليوناني الذي يعني(عطية النعمة الالهية) وأدخله عالم الاجتماع الالماني ماكس فيبر(1864-1920) ليعني الصفة الخارقة التي يمتلكها بعض الاشخاص فتكون لهم قوة سحرية على الجماهير وقد ميز فيبر بين كاريزما الفرد التي تنشأ من صفات طبيعية عنده, وكاريزما المنصب المستمدة من الطبيعة المقدسة.