مشروع الادارة الذاتية صمام الامان لوقف هجرة المسيحيين من العراق

 

 

بقلم نبيل البازي

 

تعتبر سلسلة الانفجارات المنظمة من قبل القوى الظلامية الاثيمة التي وجهت ضد الكناشس المسيحية في بغداد و موصل اكبرها بشاعة في تاريخ العراق المعاصر. و كانت في السابق قد نفذت 11 مذبحة منظمة ومدبرة خلال الفترة بين عامي 1914 و1947 وفقدان نصف سكانهم (1)... و في بداية نشوء الدولة العراقية كانت مذبحة سميل في عام 1933 احدى المذابح التي اتسمت بطابعها السياسي اي القومي اكثر من طابعها الديني ولم تشمل وقتها الكنائس ودور العبادة بل وجهت ضد جزء من اجزاء الشعب العراقي الذي كان يطالب بالحقوق القومية وعلى اثرها اضطر عدد كبير منه ان يترك ارضه كمعارض سياسي والتجأ في البداية الى سوريا وبعدها الى بقع اخرى من العالم. و كمحصلة لهذه الانفجارات البشعة التي نفذت حديثا اضطر اليوم جزء اخر من المسيحيين ان يتركوا ايضا ارضهم وهذه المعلومات جاءت استنادا الى التقارير الصحفية والى ما اعلنته وزيرة المغتربين والهجرة عن قلقها الشديد بتصاعد ارقام النازحيين الى 40 ألف مسيحي الذين تركوا العراق بعد الهجمات وضرب الكنائس الى سوريا و الاردن (2).

 

اسباب الهجرة

في السابق كان يتصور البعض وبالتحديد الذين لايعرفون عن كثب وقرب مايجري في العراق من تطورات على الساحة العراقية والكثير يتوقع ان هجرة عدد كبير من ابناءه هو البحث عن حياة افضل في الدول الغربية ، وهذا قد لايخلو منه ولكن الاسباب الحقيقية للهجرة كثيرة واكثرها واقعية وهي تكمن في الممارسة الفعلية لسياسة الحكومات المنصرمة وعدم استعدادها في حل الازمات السياسية منها القومية والمذهبية والاجتماعية ابتداءا من الحكم الملكي وانتهاءا بحكم صدام وفي فترات الاحتلال الانكليزي بالذات حكت لشعبنا العراقي وبالذات للكلدواشوريين السريان من اية فترة مضت المؤمرات الدنيئة تحت شعارات مختلفة كي تعطى لها الشرعية القانونية بحجة الدفاع عن الوطن او العمالة وغيرها والهدف الاول والاساسي كان التخلص من الوعود والالتزام بالمشاريع السياسية التي اوعدوا بها انذاك الدول المحتلة وخاصة بعد ان قسمت الحصص بينها...وفي الاخير كانت الحصيلة النهاية تقديم مشروعا سياسيا خاصة له وهو مشروع مذبحة سميل وهي تعتبر نموذجا حيا لهذه الممارسات الدنيئة من قبل الانكليز والمتعاونيين معهم وما يؤسف له انها نفذت بايادي عراقية. والاكثرية كانوا ينطلقون من مبدا ان الانكليز حلفاء للكلدواشوريين السريان والواقع كان معاكسا لهذه المعادلة السياسية الغير دقيقة والقضية اعقد من هذا واعقد مما نتصوره ولا يسعني التطرق الى كل الحقائق التاريخية بل اريد ان يكون للقاريء الكريم صورة عن ان الدول الغربية لايهمها الشعب الكلدواشوري السرياني الذي اعتنق المسيحية منذ البداية بقدر مايهمها مصالحها في المنطقة. وكل مواقفها السياسية مع مكونات الشعب العراقي كانت ولازالت منسجمة مع اهدافها الاساسية وهي في المرتبة الاولى خلق ازمة سياسية كي تمرراجندتها في المنطقة وحتى ان كانت من الضد من مصالح حلفائها. ويذكرنا جهاد الزين في مقالته المنشورة في"النهار" الى ان .." النصف الاول من الثلاثينات، الموعد الذي خرج فيه - مسيحيو العراق عبر مركز تجمعهم الاصلي في الشمال، خرجوا مع الاسف من "السياسة" العراقية. فلظروف معقدة وقع الاصطدام بين جيش الدولة الهاشمية و"الحركة" الآشورية(3). وما يفهم من هذا ان هجرة المسيحين له علاقة واضحة بالحركة القومية للشعب الكلدواشوري.

 

وما يلاحظ خلال فترات متعددة من تاريخ العراق وما لحق من اضرار للشعب العراقي في الوقت نفسه لحقت بالشعب الكلدواشوري السرياني كونه يمثل احد مكونات النسج العراقي وكان له ايضا دور كبير في الحركة التحررية العراقية وانضموا بشكل فعال في الحركات الوطنية وبالاخص اليسارية منها في العراق وهذه الحركات اليسارية تعرضت للسياسات القمعية من قبل الانظمة التي حكمت العراق وحرمت هذا التيارات اليسارية بالذات في ممارسة العمل السياسي العلني وقمعت اكثر من غيرها وتحديدا في الفترة الصدامية مما اضطرالكثير من اليساريين الى الهجرة الى بلدان اخرى بحكم شراسة الهجمة وقوتها وكانت لشعبنا حصة كبيرة في هذا المجال. والاسباب متعلقة بالصراعات العقائدية بعد 1963 على السلطة وليس سنة 1958 كما يذكره السيد جهاد الزين حيث " اثر ذلك يمكن ادراج تاريخ هجرة المسيحيين العراقيين، خصوصاً بعد العام 1958 ضمن تاريخ هجرة النخب العراقية شيعة وسنة واكراداً، والتي بلغت ذروتها في عهد صدام حسين او لاسباب تتعلق بالضائقة الاجتماعية الاقتصادية"(3)..وكانت هناك مؤسسات معينة لا نعرف بالضبط نواياهم الحقيقية منتشرة في بلدان عديدة التي كانت تدعم فكرة الهجرة تحت اعذار شتى ولم يكن يوم ما هدفهم تقوية الوحدة الوطنية اوحل المشكلة القومية او بناء عراق ينعم بالحرية السياسية وخلق اجواء صحية لبناء عراق ديمقراطي حروشعب سعيد يتنعم بما يملكه من موارد وحضارة عريقة.

 

مالعمل؟

يلاحظ في ايامنا هذه اي في بداية القرن العشرين بعد ان اصبحت سهولة التنقل بين الدول من الاسباب المشجعة للهجرة والهجرة في الواقع تلعب دورأ حاسمأ في الانقراض الديموغرافي للكيان القومي والديني على الارض الاصلية وحتى ان اجتمعت في مكان اخر فلن تتسم بنفس الخلفية الحضارية. ولذا من الجدير ان تكون هناك دراسات واقعية لمنع هذا الانقراض ويجب دراسة الظاهرة منطلقة من مبدأ الحرص التام للوجود التاريخي البين النهريني الاصيل. وفي اية فترة تاريخية كانت هنالك عوامل عديدة تتحكم في مسار تطور المجتمعات البشرية المختلفة وهي العوامل تنقسم الى عوامل ذاتية وموضوعية وفي المفهوم النظري النتيجة او المحصلة النهائية يجب ان تكون مشروطة بمدى تفاعل هذه العوامل مع بعضها، وبالضرورة ان تكون منسجمة ومتوافقة. ونحن اليوم بحاجة من اي يوم مضى الى دراسة شاملة متعددة الجوانب( سياسية ـ اقتصادية ـ اجتماعية) للنهوض بها واستغلال كل المنابر المتاحة لتحقيق هذه الادارة الذاتية للشعب الكلدواشوري السرياني.

العوامل الموضوعية لها تأثيراتها الاساسية في كيفية التعامل مع المشروع في تحقيق الادارة الذاتية للشعب الكلدواشوري السرياني. وهذا المشروع سيكون اكثر المشاريع فعالة في وضع نهاية لهذه الانتهاكات والتجاوزات وحماية ماتبقى من التراث الحي لحضارة بلاد ما بين النهرين وسيكون صمام لحمايةالمسيحيين في العراق و بحاجة الى انضاج الظروف الموضوعية كي لاتكون عائقا في تنفيذ هذا المشروع وتكون عبر الاساليب الحضارية اي الديمقراطية وايجادالقوى التي ستتفاعل معه بشكل جدي ومبدأي وهذا سيكون مرتبطا بالطرح العقلاني لهذا المشروع وبالتنسيق مع كل القوى الوطنية المتواجدة على الساحة السياسية كي لايفهم انه خارج عن المقاييس الوحدوية.

العوامل الذاتية اكثر اهمية في تحقيق هذا المشروع السياسي الذي ستعارضهُ بعض القوى التي تتصور انه من المشاريع المعوقة والذي لا ينسجم مع تطلعاتها في تحقيق مأربهم واحلامهم الوحدانية. ولفترات طويلة امتازت العوامل الذاتية المتوفرة لدى الشعب الكلدواشوري السريانس بضعفها وهي جاءت نتيجة لظروف تاريخية قاسية لم يكن وقتها التحكم بها وتوجيهها في الاتجاه الامثل وكانت دور الكنيسة مالكة القرار في العملية السياسية. وكانت الكنيسة منقسمة على نفسها بتأثيرات خارجية والاسباب عديدة لايوجد حيزأ للتطرق لها وامتد تأثيرها الى الساحة السياسية وبشكل سلبي وكانت الكنيسة الشرقية وحدها انذاك التي امتلكت القيادة العلمانية والدينية في أنٍ واحد ، اما الكنائس الاخرى الكلدانية او السريانية فضلت التمسك بالجانب الروحي الديني اكثرمن العمل القومي والمبدأ المسيحي لايشكل اطلاقأ اي خطر واضح على اية جهة كانت في الساحة السياسية وهي لاتتجاوزحدودها اكثر من ان تعطى لها حرية العبادة وبناء الكنائس ودور العبادة ولاتشكل عبئأ سياسيأ ولم تدخل في برامجها العامة المطاليب السياسية كالإاستيلاء على السلطة او المطالبة بالحقوق القومية او غيرها. والبعض لا يريد التعامل مع قضية شعبنا بالصفة القومية وانما بالصفة الدينية والاسباب واضحة تمامأ كوضوح الشمس وعلى كل المؤسسات ملاحظة ذلك كي لا توقع في الفخ التأمري. ولتفعيل هذه العوامل الذاتية بشكل ايجابي، على كل القوى المؤثرة من احزابا سياسية او مؤسساتنا الدينية والتي تشكل البناء الفوقي له ان تتعامل مع المشروع السياسي بمنظار يختلف كلياَ كما كانت تتعامل معه سابقأ. واصبح اليوم واقعا مفروضا على الكنائس بمختلف تياراتها اذ انها بدأت بشكل فعلي تمارس دورها وهذا ايضأ من الامور التي ان تكون تحت الدراسة. وهنالك اليوم الفرص الحقيقية للتنسيق والتفاهم من خلال ترسيخ المباديء الديمقراطية في العملية السياسية.

مشروع الادارة الذاتية مشروعَاََ سياسياَ لايعتبر هينأ ولذا على كل القوى السياسية ان تشارك فيه كل الاطراف المعنية لانضاجه والوصول الى قرارات سياسية للتعامل معه وخلق الالية الحقيقية لتنفيذه وهذا سيكون صمام الامان لحماية الكيان القومي والديني في أن واحد وسيمنع المسيحيين من الهجرة الى بلدان اخرى وسيأمن الحقوق الفردية والجماعية من خلال التفاعل مع العملية الديمقراطية في العراق ومن خلال الحوار المتمدن وخاليا من لغة انهاء الاخر واستخدام العنف في حل الاشكاليات السياسية التي قد تبرز في هذه المرحلة الحرجة. وسيعزز التلاحم بين مكونات شعبنا المختلفة.

1) ابرم شبيرا " الاشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر" ص 196 من منشورات اتحاد الاندية الاشورية في السويد

2) صفحة الجيران الانترنيت بتاريخ 15 اغسطس 2004

3) النهار 10 أب 2004 جهاد الزين "الديموغرافيا المسيحية المتأزمة: "دول الجزيرة" و"دول إنطاكية"