لَـمْ نَسْـلَم مِنَ السَيف

 

أغانيَّ تُراثية لمُطربٍ سُجِّلتْ على إسطواناتٍ صغيرةٍ، يُغني فيها بلغةٍ غَيرَ لُغةِ أمهِ. يصف في أغانيه الألم والمعانات لأجدادنا أبناء وادي الرافدين. كنت أنظر إلى جدتي (أم أبي، رحمهم الله) وهي تبكي عندما كانت تسمع لهذهِ الأغاني.

 

إنها أحداث مؤلمة حقاً عندما نسمعها أو نقرأها. إنهُ السيف الذي لا رحمة لهُ ولَمْ يَرْحَم أبرياءاً: رجالاً أو نساءاً، أطفالاً أو شيوخاً. إلى هذا اليوم نحن نتكلم عن هذا السيف.

 

ماذا أقول عن هذا السيف، أو عن ماذا فعل؟

 

لقد فعل ثلات أشياء: فَرَّقَ أُمَّتَنَا، وجَزَّءَ كَنِيسَتَنَا، وصَلَّبَ قُلُوبَنَا.

 

أُمتنا كان لها تاريخ واحد، أرض واحدة، لغة واحدة. تاريخنا لهُ طولَهُ الزمني وعمقهُ الثقافي وحجمهُ الفني. تاريخنا مثل مسلةُ حمورابي فمن رآها تعجب ومن قراها تأدب ومن حياها ترتب. تاريخُ دقَّ وَتَدَهُ في الأرض زماناً ومكاناً.

 

أرضنا كانت ذي المساحة الواسعة فيها مَعَالِمُ شاسعة وتُنبتُ زَرْعَهَـا الوافر. وماذا أقول عن لغتنا الأصيلة؟ فقد تطورت في ذاتِها وعَلَّمَتْ جِوارَهَا ووساهمت في التلاقح الفكري مع أقْرانِها.

 

أليس من الغريب أن نجد اليوم ثلاثة أخوة، من أبٍ واحد ومن أُمِ واحدة، تفصلهم لا حواجز مكانية  ولا زمنية وإنما حواجز لَغَويَّة! إنه عمل السيف.

 

وماذا فعل هذا السيف؟

 

لقد جاء وجَزَّءَ أكبر وأنشط وأثقف كنيسة يشهد لها التاريخ الكنسي، ليس في المشرق في فقط؛ بل أيضاً في المغرب (العالم الغربي) في القرون الأولى. إنْ ذهبنا إلى الهند والصين؛ فسوف نُدْرِكُ عظمة كنيستنا.

 

لقد تجزءت كنيستنا إلى مَمَالِكُ صَغِيرَ، مُستقلة الواحدة عن الأُخرى. لكنْ في الحقيقة كل الأجزاء لها نفس الإيمان، نفس الصلاة و نفس الكتاب المقدس. كل جزء يصلي إلى الإله الواحد ويتضرع إلى المخلص الواحد، يسوع المسيح رب المجد، ويتعزى بالروح القدس الأقنوم الثالث المبارك.

 

رسمنا القديسة المطوبة، مريم العذراء، في الصورة تبكي وسميناها بـ ((أم الأحزان)). تُرى حُزْنَهَا اليوم هو على المسيح الذي صعد إلى المجد؛ أم على كنيسةِ إبنها، جسد المسيح، الممزقة! إِنهُ عمل السيف.

 

وماذا فعل هذا السيف أيضاً؟

 

لقد إِنْغَرَسَ هذا السيف في صدورنا ولم يخرج. والٌتأمَ الجرح عليه. وبقيَّ السيف فينا! وبات كي يَـبُـثُّ سُمُومَهُ في عُـروقِنَا. فماذا حَصَلَ؟ تَسَّرَبَ سُمُّ السيف فينا: فَأَعْمَى عُيُونَنَا، شَلَّ تَفْكيرَنَا، أَضْعَفَ إِرَادَتَنَا، أَحْجَمَ قُوَّتَنَا، أَطْفَاَ رُوحَنَا ورُوحِيَّتَنَا وأيضاً قَـسَّ قُلُوبَنَا.

وماذا أقول بعد... جعلنا ننظر إلى الله كأنهُ يكرهنا... حاشاه! جعلنا ننظر إلى التاريخ كأنهُ تَقَيَّئَنَا... أبداً! جعلنا ننظر إلى وطننا، وادي الرافدين، كأنهُ رَفَضَنَا... وهذا لم يحدث!

 

إنه السيف الذي في صدورنا الذي يريد أن يميت اللغة فينا، الذي يريد أن يلاشي قوميتنا، الذي يريد أن يخمد الروح والروحانيةُ فينا... إنهُ السيف المزروع في صدورنا.

 

فدعونا أن نُخرج هذا السيف من صدورنا ونعالج سمومهُ. وإلا سوف لَنْ نسلم من هذا السيف. فحتى لو هاجرنا إلى السويد؛ فالسيف لا يزال في صدورنا.

 

 

 

القس كلبرت أندراوس