آباء كنيستنا الأجلاء

صليب الرب أولى بكم وأرفع شأنا من السيف

 

بقلم:  داود بيت ابونا  /  السويد

 

ذات يوم وفي عقد الثمانينات من القرن العشرين ظهر أحد الملوك العرب على شاشة التلفزيون والغضب ظاهرعلى وجهه لأمر كان قد حدث في البلاد. هدد جلالة الملك شعبه  بأنه لولا خشيته من غضب الله لكان سيغادرهم إلى أوروبا ويترك البلاد والعباد لشأنهم دون راع،  وتوعد الملك الناس وأنذرهم بعدم تكرار ذلك وإلا فإنه لن يتردد في تركهم وشأنهم يقتلهم الفقر والشر والشقاء،  فجلالته أمير المؤمنين وظل الله على الأرض وحياة الناس لا تستمر إلا ببركاته،  يقودهم كما يشاء،  يقبّلون أياديه كبارا وصغارا ودون إستثناء لأنه من سلالة النبي وولي من الأولياء. هكذا كانت  قناعة الملك وإعتقاد الأغلبية من رعيته وأغلب الظن بأن  جلّهم  كانوا مقتنعين بأهمية دوره الموروث  من أسلافه. وإذا كان جلالة الملك هذا وغيره من ملوك الشرق وحكامه وبالذات في البلاد الإسلامية ينظرون إلى الأمور بهذه الطريقة ويجمعون بين السلطتين الدينيه والدنيوية،  فربما يكون لهم بعض الحق في ذلك إنطلاقا من التقاليد التي سادت العالم الإسلامي منذ ظهوره وبشكل خاص منذ مبايعة أهل يثرب للنبي محمد وهجرته إليها وإعتلائه موقع القيادة السياسية والدينية فيها، أي نشوء الدولة الإسلامية التي تجمع بين أمور الدين والدنيا، هذا الحال الذي إستمر في زمن الخلفاء والسلاطين والملوك والحكام وصولا إلى ملكنا هذا. أمّا أن يفكر البعض من رجال الدين المسيحيين وآباء الكنيسة في الشرق  بهذه الطريقة  ويعتبرون أنفسهم الممثلين الشرعيين والوحيدين للشعب حتى في الأمور الدنيوية،  فذلك لأمر غريب حقا على هذه الديانة السمحاء البعيدة كل البعد عن أمور السياسة وغيرها من الأمور الدنيوية البحتة منذ أن أوصي مؤسسها يسوع المسيح  حوارييه وأتباعه  بإعطاء ما لله لله  وما لقيصر لقيصر. إن هذه الطريقة في تفكير هؤلاء الآباء يرفضها ليس فقط العلمانيون في المجتمعات المسيحية وإنما يستهجنها حتى المتدينون لأنها تخالف جوهر الديانة المسيحية وروحها وتسئ اليها وتلغي خصوصيتها وتميزها بين الديانات.  فمن أعطى لهؤلاء هذا الدور ومن أين جاءوا بهذا الإعتقاد الخاطئ وكيف إبتعدوا عن جوهر دينهم المسالم ؟

يحدثنا التاريخ عن الإختلاف بين الحضارات الإنسانية وتطورها من المجتمعات البدائية وصولا إلى ما هي عليه اليوم. وتجمع  نظريات التطور التاريخي للمجتمع البشري على أن  لكل مرحلة من مراحل التطور الأجتماعي الإفتصادي ملامحها التي تميزها عن غيرها من المراحل إضافة للفروقات والتمايزات في المرحلة الواحدة بين المجتمعات لأسباب تتعلق بظروف أخرى كالمكان والظروف الطبيعية ونمط الحياة وكيفية حصول الآنسان على قوته والتراكمات الحاصلة في عملية التطور وغيرها من الظروف التي تعطي لكل مجتمع خصوصيته في التطور. كما نعلم جميعا بأن وجود الإنسان ووعيه الإجتماعيين وقدرته على تنظيم أمورحياته  تميزه عن الكائنات الحية الأخرى وتجعل منه هذا الكائن القوي السائد والمسيطرعلى بقية الكائنات. وكذلك فإننا نعلم أن الوعي الإجتماعي رغم  تمتعه  بنوع من الإستقلاليه فإنه يتماشى ويتطور بشكل إيجابي مع تطور الواقع الأجتماعي للناس ولكن ليس بشكل ميكانيكي كتابع حيث قد يحصل أن يتقدم أو يتأخر الوعي الإجتماعي أو أحد أشكاله على مستوى تطور الواقع الإجتماعي وذلك يحصل في الغالب بفعل عوامل معينة قد تكون خارجية أوطارئه وهناك أمثلة عديدة في التاريخ على ذلك لسنا بصددها الآن.

للظروف التي ذكرناها ولأمور أخرى غيرها فإن  مسألة التطورفي المجتمعات الشرقية في آسيا وأجزاء أخرى من العالم إختلفت عمّا جرى في أوروبا منذ فجرالتاريخ خاصة بعد ظهور الطبقات الإجتماعية السائدة والمسودة وظهور الدولة بمؤسساتها وأجهزتها وتطورها كأداة لتنظيم المجتمع وصيانة وحماية  مصالح  وسيادة من أنشؤوها.  والإختلاف لم يقتصر على الوجود الإجتماعي أو العلاقات الإجتماعية وإنما انعكس على الوعي الإجتماعي وعلى مؤسسات البناء الفوقي وشكل السلطة وجوهرها وأسلوب الحكم. فبينما كانت العلاقات بين مكونات الطبقة السائدة في المجتمع الغربي أي الأوروبي تتسم بنوع من الديموقراطية حتى في مرحلة العبودية في أثينا واسبرطة وروما وغيرها، لاتزال العلاقات في المجتمعات الشرقية إلى يومنا هذا تتسم بأشكال من الإستبداد والديكتاتورية التي كثيرا ما تجد تبريراتها في الدين أو المعتقدات السائدة في هذه المجتمعات والأدلة على ذلك ليست قليلة.  

إنطلاقا من هذا الفهم للمجتمع ولسير عملية التطور التاريخية في مجتمعاتنا المسيحية في الشرق والتي بقيت متعايشة وعلى إحتكاك مستمر مع حضارات أخرى غير مسيحية بل كانت تابعة سياسيا لها لقرون طويلة، نستطيع أن نستنتج بعض الأسباب أوالأسس التي تستند عليها طريقة تفكير البعض من رجال الدين المسيحيين في الشرق وسلوكيتهم وطريقة تعاملهم مع أبناء رعيتهم ومع أمور الحياة الدنيوية الخارجة عن دائرة إختصاصهم حسب المسيحية التي نذروا أنفسهم لخدمتها وتقدمها ورفعتها، ونحن هنا لا نريد التشكيك بصدق إيمانهم أو أخلاصهم لشعبهم وقضاياه المصيرية التي ضحّى الكثير من آباء كنائسنا بحياتهم من أجلها، وإنما نريد فقط إثارة إنتباه آبائنا الأجلاء على ضرورة ترك ما يسئ إلى مكانتهم ومكانة كنيسة الرب من أمور لها أصحابها القادرين على إدارة دفتها لما هو لصالح الجميع عملا بوصية الرب التي ذكرناها بإعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر. فليبقى آباؤنا الروحيون الأجلاء بعيدين عن أوحال السياسة وليتفرغوا لقيادتنا روحيا لتهدئة نفوسنا المتعبة وتهذيب سلوك أبنائنا وتنويرهم وتوجيههم للطريق الصحيح والسليم في الحياة بعيدا عن أمراض العصر الفتاكة، وليباركوا كل ما هو لخير شعبنا وصالحه،  خاصة وحدته وتلاحمه وكفاحه من أجل حقوقه الإنسانية المشروعة ووجوده المهدد على أرض أجداده. إنهم بذلك سيقدمون لشعبنا خدمة لن ينساها بل تبقى خالدة في ذاكرته  مثلما  بقيت خالدة  تضحيات الأسلاف الصالحين من شهداء وقديسين لا نزال نقيم الصلوات والذبائح على أرواحهم  بعد قرون طويلة  مرّت على إستشهادهم.