اشور ارض بلا شعب . . . والكلدان شعب بلا ارض





اسكندر بيقاشا

     
قد يكون عنوان المقال صدمة للكثير من القراء وخاصة الغيورون منهم على مستقبل شعبنا بتسمياته المتعددة والبعض منهم يتهيأ للوثوب الى القلم او الكومبيوتر ليرد على هذا الكافر(كاتب المقال) وبعنف حتى قبل ان يتم من قراءة المقال.
إن كان عنوان المقال ثقيلا ومحزنا ومخيفا فكيف يكون شعوركم إن اصبح ذلك حقيقة واقعة!!

   
نعم ايها الأخوة سيصبح ذلك واقعا ان تركنا الساحة للمتعصبين او المتصلبين, او سموهم ما شئتم, من الآشوريين والكلدان. لأن افكارهم وطروحاتهم هي موجهة للتقسيم بصورة مخططة او تؤدي بالنتيجة الى ذلك من حيث لا يدرون.
لكن مادام ذلك امرا محتملا فإننا يجب ان نحاول ان ندرس نتائجه وتبعاته لنكون على دراية بما سيؤول عليه حالنا ان نجح هذاالمخطط. وساحاول هنا ان افتح االنقاش في موضوع لم اكن اريد يوما ان نصل الى مرحلة من الإنحطاط لنفكر في احتمالات حدوثه. لكن مادام واقعنا هو هذا فلماذا لا نجابه المشكلة من خلال عرضها علنا ومناقشة عوامل القوة والضعف فيها.

   
العراق كان بلدا مغلقا ثقافيا قبل سقوط صدام لذلك كان شعبنا في العراق معظمه جاهلا للقضية القومية وبعيدا عن مناقشات التسميات وويلاتها. وها قد مرت على سقوط جدران الظلام اكثر من سنتين ونحن نتناقش في كل انحاء العالم موضوع التسمية حتى فقدنا الإتصال مع العالم الخارجي وأنستنا كثرة الأسماء وتفسيراتها بأن لنا مشاكل أخرى ولنا شركاء وأعداء داخل الوطن وخارجه. ولكن ماذا كانت النتيجة؟!:

     
بعد كل هذه السنين وما ضيعنا من وقت فإنني ارى اننا نراوح في نفس النقطة, حيث كنا منقسمين وحائرين ولا زلنا. فالتيار الآشوري الذي كان يعتقد بأن من السهولة اقناع الكلدان والسريان بأنهم آشوريون قوميا لم يجدوا آذانا كثيرة صاغية. والكلدان الإنفصاليون الذين كانوا يتوقعون قيام ثورة كلدانية قومية عارمة تبعدهم عن الآشوريين والسريان وجدوا ان الكلدان لا يمكن اقناعهم بذلك بسهولة. وبدلا من ان يركن كلا الطرفين بعد فشلهم الى التفاهم والحوار والتوصل الى حلول توفيقية عملية تخدم حقوقنا في ارض آبائنا في العراق أخذوا يشنون حربا شعواء على الوحدويين الذين قدموا طروحات ومشاريع وحدوية متعددة للحفاظ على وحدة هذه الأمة والحصول على حقوقها وبشكل باتوا يهددون وحدة هذه الامة ومستقبلها. وأحدث صرعة ومودة جديدة هي إرسال البرقيات والعرائض الورقية والألكترونية لكل السلطات والمجالس العراقية والكردية يعرضون عليهم تقسيم قوميتهم وامتهم من دون اي ثمن سوى الإحتفاظ بتسميتهم التي غالبا ما تكون طائفية دون مراعاة آثار ذلك على حقوق شعبنا القومية ومصيرنا على ارض آبائنا.

   
هنالك مقومات مهمة جدا لكل قومية حية في العالم تعطي لها اسباب البقاء والتطور. وهذه العناصر الاساسية هي الأرض والشعب واللغة. وان فقدان احد او عدة عناصر منها يشكل خطرا كبيرا على وجود تلك القومية.

     
فالأرض هي التاريخ والجذور وهي القاعدة التي ينطلق منها البناء والتطور. وهي التي تجعل الإنسان يشعر بالفخر والكبرياء وهي تحمله على التشبث بالحياة والحلم بالمستقبل. والإنسان دون ارض يشعر بالإنتماء اليها هو إنسان ذو جذور ضحلة ودعامات غير قوية ولا يقوى على التشبث في الأرض حينما تهب العواصف والرياح.

الإنسان هو الحاضر والمستقبل. فبدون شعب يعيش على ارضه تكون الأرض عبارة عن مادة جامدة ميتة. وان وجود صاحب الأرض عليها يرعاها ويطورها يستطيع جعل كنوز ماضيها تنطق وتاريخ الأجداد يحيا من جديد. فما فائدة الأرض إن كان ابناءها بعيدون عنها آلاف الأميال؟

اما اللغة فهي التي تربط بين الإثنين(الأرض والشعب) وهي التي تنقل الماضى وتراثه الديني والفني والأدبي من الآباء الى الأبناء وهي التي تحمل مشاعر الإنسان لأرضه والذي تجعله يتغني بأحلامه في مسثقبل مشرق والتي تكون في معظم الأحيان مرتبطة بالزمان بالمكان اي الأرض.

   
الطرف الآشوري المتصلب المتمثل بالسيد سركون داديشو وحزبه والتجمع الوطني الآشوري يطالبون بالإعتراف بالتسمية القومية الآشورية واللغة والثقافة الآشورية بإعتبار ان الكلدانية والسريانية هي اسماء طائفية.وهم اذ يقولون باننا جميعا ابناء قومية واحدة فإنهم يذهبون في رسالتهم المرسلة الى الجمعية الوطنية العراقية الى انه في حالة عدم رضا الجميع بالتسمية الآشورية فإنهم يقترحون "الذي ينكر قوميته وذاته! فهو حرّ في اختيار ما يطيب له من العناوين " اي بمعنى القبول بتقسيم الأمة الى قوميتين او ثلاث. ولنفترض جدلا ان الجمعية الوطنية او لجنة كتابة الدستور وافقت على ذلك المطلب فكيف ستكون الحقيقة على ارض الواقع,
     
في بلاد آشور يتواجد ابناء شعبنا الكلداني الآشوري السرياني(الكلدوآشوري) او سموهم ما شئتم في قرى وبلدات سهل نينوى واربيل ودهوك غالبيتهم الساحقة من ابناء الكنيسة الكلدانية والسريانية ومعظمهم لا يؤمنون بأنهم آشوريون. صحيح ان غالبيتهم يؤمنون بأننا شعب وقومية واحدة لكنهم لا يقبلون بالتسمية الآشورية المجردة لاسباب تاريخية وطائفية وسياسية ايضا. والنتيجة هي ان الجزء القليل من شعبنا الذي لازال موجودا على ارض آشور التاريخية لا يتسمى بإسمها ولا يشعر بالإنتماء اليها ويعيش غريبا فوقها. وهذا ما سيؤدي الى معارضتهم المشاريع الإدارية والسياسية وحتى الثقافية التي تطرح بالأسم الآشوري وبالتالي فشل هذه المشاريع عمليا. وبقاء بلاد آشور ارض شبه خالية من ابنائها(الذين يقبلون التسمية الآشورية) وتكون مسكونة حينها من قبل الكرد والعرب والقليل الباقي من الكلدان والسريان. وينطبق حين ذاك مقولة منقولة عن الإخوة الأكراد "انتم تحت الأرض ونحن فوقها".

اما الكلدان الإنفصاليون الذين يطالبون بقومية كلدانية منفصلة عن الآشورية والسريانية من خلال مشروع اتحاد  القوى الكلدانية برئاسة السيد ابلحد افرام والذين يريدون ادخال اسمنا كالتالي:
شعبنا( الكلداني والآشوري والسرياني)
فإنهم وهذا الحل ,الذي اتمنى ان لا يكون جادا, يقولون بأننا ابناء شعب واحد (الشعب المسيحي) وهذا الشعب متكون من ثلاث قوميات الكلدانية والسريانية والآشورية وذلك واضح من خلال وضع واو العطف بينهم.
وهذا القسم من الكلدان في طرحهم هذا انما يأتون مسلحين بعدد الكلدان الكبير نسبة للطوائف المسيحية الأخرى الباقية في العراق. وهم يعتقدون بأن الكلدان سيحصلون على معظم المقاعد في البرلمان والمناصب الوزارية المخصصة للمسيحيين في الحكومة العراقية القادمة.

لكنهم ينسون او يتناسون بأن عصب بقاءنا في العراق ليست الوزارات ولا من هو في البرلمان, وإلا لكان حالنا افضل في زمن طارق عزيز, انما هي جذورنا المتعمقة في ارض ما بين النهرين وحقوقنا التاريخية على الأرض التي نعيش عليها آتية من انجازات آبائنا الإنسانية والحضارية.
ان الأرض التي يتواجد عليها ابناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري حاليا هي المعروفة تاريخيا ببلاد آشور وكان في التقسيمات الكنسية ايضا ابرشية في شمال مابين النهرين تسمى بابرشية آثور. وهذا لا اعتقد ان هنالك جدالا عليه.
ولنفترض ان الكلدان المتعصبين حصلوا على مطلبهم وانقسمنا الى ثلاث قوميات فإنه والحالة هذه سيكون هنالك ابناء قومية كلدانية يعيشون في بلاد آشور وليس في بلاد كلدو الواقعة في وسط العراق. وهنا لا تفيد كل تبريراتهم بأنهم والفرس ابادوا الآشوريين او ان الآشوريين قد انقرضوا بقدرة قادر ففي كلتا الحالتين ان الأرض التي يعيشون عليها ليست ارضهم التاريخية. لا بل ان ذلك سيدخلهم في صراع مع الآشوريين حول ملكية الأرض وسيجعل الآشوريين والأقوام المجاورة كالأكراد مثلا في التشكيك في  شرعية واحقية وجودهم على ارض لا يملكونها. وفي غياب وجود اصحاب الأرض فما المانع من تقسم الأرض المتبقية بين ايدينا بين الأقوياء فيكون جزءا منها تابعا لكردستان(ارض الأكراد)  والجزء الآخر يبقى لإخواننا العرب.
وقد يأتي اليوم الذي نسمع شعارا مشابها للشعار الذي رفعته بعض الأحزاب الكردية في القامشلي قبل حوالي الأسبوع ليصبح  "لا سريان ولا كلدان ,هذه كردستان"
 
     
وبين هذا وذاك يقف سريان العراق مذهولين امام هذه الطروحات المغرورة والأستعلائية للآشوريين والكلدان ولا يجدون لا سلاح الأرض ولا العدد الكبير ليشهروه امام هؤلاء المتشددين سوى اللغة السريانية والتي هي عنصر مهم من عناصر القومية ويتكلمها الآشوريين والكلدان ايضا(السورث).واللغة السريانية والتي هي لهجة من اللهجات الآرامية نستعملها في كل مناحي الحياة. فهي في الكنيسة والبيت وفي الحفلات والآداب وفي كل مكان من حياة الآشوريين والكلدان والسريان. اما ادعاء الكلدان والآشوريين المتشددين بأن اللغة التي يتكلمونها تسمى كلدانية او آشورية هي عبارة عن اجتهادات شخصية وليست حقائق علمية وتاريخية. كما لم ينسى السيد يشوع هداية رئيس تجمع السريان المستقل في مقال نشره في موقع عنكاوة كوم ان يذكر الكلدان والآشوريين بأنهم كانوا يتسمون "السريان المشارقة" الى زمن قريب.
 
والآن لنعد مرة أخرى الى سيناريو التقسيم:
هنالك سيتكون لدينا ثلاث قوميات كل منها تملك مقومات وتفتقد لأخرى.
القومية الآشورية: تملك الأرض وتفتقد الشعب واللغة
القومية الكلدانية: تملك الشعب وتفتقر الى الأرض واللغة
القومية السريانية: تملك اللغة وتفتقد الى الأرض والشعب

وبذلك يتكون لدينا ثلاث قوميات كل منها تملك مقوم واحد فقط من مقومات القومية ودعامة واحدة من شروط البقاء والديمومة. وكل منهم تفتقر لعنصرين هامين من عناصر الحياة والتطور. والحالة هذه فإن كل قومية من هذه القوميات الصغيرة والضعيفة محكوم عليها بالموت المحتم خاصة وإن الظروف المحيطة بهم اقل ما يقال عنها هي انها ظروفا صعبة. وبإختصار ارى ان تكوين ثلاثة قوميات ما هو إلا انتحارا جماعيا ومأساة قومية وتاريخية لا اعرف مثيلا لها في التاريخ المعاصر.

 
وبلغة الحساب وللتبسيط فقط:

القومية الكلدانية + القومية الآشورية + القومية السريانية = 0 + 0 + 0 = 0

نعم ثلاثة اصفار مهما كبر حجم هذا الصفر او صغر. وذلك لأن اي منهم لن يكون له دورا او ثقلا يذكر في المعادلات السياسية والبشرية في العراق. كما وان تنظيمات هذة القوميات الصغيرة تصبح ادوات ودمى تحركها القوى السياسية العراقية كيفما شاءت كما هو حالنا الآن.

اما القومية الواحدة المتكونة من (الكلدان + الآشوريين + السريان) = قومية حية

   
ذلك لأن كل منهم يملك جزءا هاما يشارك فيه في تقوية مقومات ودعائم القومية الحية. فيكون لنا ارض نملكها(بلاد آشور) وشعب (معظمه من الكلدان) ولغة(السريانية العريقة) ويصبح عددنا اكثر بحيث يكون لنا مكان يذكر في المعادلة السياسية والسكانية للعراق ويكون بإستطاعتنا الصمود بوجه التياراد الدينية والقومية المتطرفة التي تعصف بالعراق.
 
   
ولأنني أؤمن بأننا امة واحدة منحدرين من مدن وقبائل متعددة في بلاد مابين النهرين ونحن احفاد السومريين  والآشوريين والكلدان والآراميين انصهرنا معا بالمسيحية لمدة الفي عام ولا يمكن لأحد ان يفرقنا عن بعضنا بعد كل هذا الوقت. كما وانه لا علاقة البته بين الإنتماء الى الطوائف الدينية الحالية والأصل القبلي او المناطقي القديم بل ان تقسيمنا جاء حسب نفوذ الدولتين الفارسية والرومانية وحسب مناطق التبشير وعوامل جغرافية اخرى. لا بل تسمينا جميعا سريانا منذ انتشار المسيحية ولحد تأسيس الكنيسة الكلدانية عام 1553 ولا زلنا لحد الآن نسمي جميعا انفسنا سورايي . وقد اصبحت لنا خصائص قومية والتي هي خليط من تراث شعوب وقبائل وادي الرافدين ممزوجة بالمبادئ المسيحية نشترك فيها جميعا رغم انقسامنا الى طوائف دينية والتي هي(الطوائف) في حد ذاتها ظاهرة طبيعية موجودة في معظم قوميات العالم.
 
فنحن نشترك في الخصائص القومية التي هي اللغة والأرض والتاريخ والدين والتراث مما يؤكد اننا قومية واحدة ولسنا غير ذلك شئنا ام ابينا.

 
لذلك علينا ان نجلس معا دون تعالي او غرور او منية احد على الآخرين فنحن جميعا نكمل بعضنا بعضا ونحن اشد الحاجة الى بعضنا كأبناء قومية واحدة وكأقلية دينية معرضة للتدمير والفناء في الداخل العراقي وخارجه.


 2005-06-18