حوار مع المهتمين بالشأن العراقي

 

هل ستضمن الفيدرالية "الكردستانية" الحقوق القومية للكلدوآشوريين السريان؟

 

بقلم : نبيل البازي

 

في البداية، أشكرك أستاذي الفاضل د. كاظم حبيب على الرد الجميل والذي أوضحت فيه وجهة النظر العامة والموقف من الكلدوآشور في فيدرالية كردستان العراق في مقالتك المؤرخة بتاريخ ‏2005‏‏-‏03‏‏-‏10. وقد ذكرت سابقاً أني من المتابعين لمقالاتك القيمة والتي تصب في حل الإشكالات العراقية ...والملاحظات التي تقدم هي طبيعية وأحياناً لا يستطيع المرء أن يتعايش مع كل المشاكل الكبيرة والصغيرة بنفس المستوى وخاصة اذا كانت هذه القضية او تلك  لا تشغل حيزاً كبيراً في العملية السياسية العامة وخاصة اذا اًريد التغاضي عنها لسبب ما ،اٍلا اٍنها في نفس الوقت تشكل نقطة حساسة في المستقبل و التي قد تغير ميزان القوى في العملية السياسية، وقد تسبب نوع من عدم الاستقرار الجزئي ويمتد هذا الى الميادين الأخرى وتفشل العملية الديمقراطية في العراق.

الآن أصبحت القضية القومية والطائفية تشغل حيزاً كبيراً في العملية السياسية المعاصرة في المجتمع العراقي  وطغت على القضايا الوطنية والطبقية وهذا ما يؤسف له وبالتأكيد سيضر بالعملية السياسية إذا استمر النهج التقسيمي والذي يمررعن طريق بعض الشعارات التي تطلق كـ " الحقوق المسلوبة" او "الضمانات المستقبلية" ،وأنا واثق أن ما ستطرحه في كتابكم الجديد سيلقي اهتماماً من القاريء المهتم بالشأن العراقي المعاصر والذي سيصدر تحت عنوان  "لمحات من نضال حركة التحرر الوطني للشعب الكردي في كردستان العراق" وهذا اكيد سيعطينا فرصة للتعرف على الموقف السياسي تجاه المسألة القومية في العراق وبالذات القضية الكردية وأكيد سيتضمن الحلول العملية لتجاوز هذه المرحلة الانتقالية. والسؤال الذي يطرح نفسه  لماذا أخذت القضية الكردية هذا المجال الواسع على الساحة السياسية ؟ ولا تعير أهمية إلى المسائل الأخرى وتعتبرها  ثانوية وأنتم من حرصكم وانطلاقاً من أهمية حل المشاكل القومية من وجهة نظر الماركسية وحق تقرير المصير، والواقع يعطي صورة اخرى كون من يقود هذه التغيرات هو ليس من الأحزاب اليسارية التي تؤمن بحرية وحقوق كل  فئات المجتمع العراقي، وإنما يسلط الضوء فقط على قوم او فئة وتترك المشاكل الأخرى دون التطرق اليها، وأنا واثق جداً من إنكم ستتحدثون عن دور الكلدوآشوريين وكما ذكرتم سابقاً، سيحتوي كتابكم على فصلاً خاصاً عن "الكلدان والآشوريين " وهم كما اشرتم اليهم أنهم ورثة الدولة الكلدانية والآشورية في العراق القديم  ولكن الذي استغربته من وجود "واو" العطف بينهم  وهي اشارة واضحة انهما قوميتين والقومية ليست ارث للامبراطوريات القديمة وانما امتداد ثقافي ،اجتماعي ، حضاري ، لغوي .. وأملي ان تكون هناك مراجعة تاريخية ومبنية على الحقائق التاريخية والجغرافية  قبل ان يصدرالكتاب بهذه الصيغة التي تفضلتم بها ، وكمقترح ان يكتب حالياً "كلدان اشوريين" دون وجود حرف "واو" العطف الى حين ان تتفق على الاسم الموحد داخلياً ،  واؤكد ان تعدد التسميات ظهرت قبل  500 سنة تقريباً لاسباب موضوعية معينة وهي لاتغير من الهوية القومية الواحدة حتماً. والتسمية المتفق عليها تاريخياً وبلغتنا و هي "سوراي" ، وعند ترجمتها الى اللغات الأخرى تبدأ الحساسيات وتبرز المشكلة . ولااريد الدخول ايضاً في حيثيات كيف برزت التسمية لاني لست قديراً بذلك ولا في حيثيات القومية ومقوماتها وانتم ادرى مني بحكم التجربة الطويلة في العمل السياسي والبحث العلمي  ولكن اريد التأكيد لاتوجد قوميتين تتكلم لغة واحدة وتعيش في منطقة جغرافية واحدة او لها تاريخ مشترك في الوقت نفسه،  بالأمكان بناء عدة دول ومثال واضح الدول العربية.. في حين الأقوام الأخرى  كالأكراد مثلاً، منقسمين لغوياً وجغرافياً ونزحوا تدريجياً الى بلاد مابين النهرين ويختلفوا حتى في الذهنية التي يمتلكونها حسب المنطقة التي يسكنوها واٍذا التقى السوراني بالبهديناني لأول مرة بالتأكيد سيحتاج إلى مترجم وهذه حقيقة ليس من باب التهجم او الانتقاص ، وفيما اذا التقى الكلداني مع الآشوري فلا حاجة الى ذلك، وتبقى اللغة الفصحى واحدة ،كتابةً ونطقاً والأحرف الكتابية غير مستعارة من العربية اواللاتينية وغيرها فهي تتميز بخصوصيتها واَصالتها.، في الوقت الذي يتم التركيز على انهم قوميات مختلفة.

 والقراءة السياسية على الساحة اليوم توجد جهة معينة لها المصلحة في شق الصف الكلدوآشوري ولا أرى نفعاً من ان يعمق هذا التقسيم من مفكريين يتميزون بالامكانيات العلمية العالية ،ولا يصح اٍستغلال هذه العقدة اي "التسمية" التي ورثناها بسبب الخلافات الكنسية لتمرر المشروع السياسي الذي له اشارات واضحة لاتنسجم مع التطورالعام والذي يحلم به الشعب العراقي وما حدث بالذات بعد سقوط النظام هو ان دخلت مجموعة  من أبناء هذا الشعب بشكل واعي او غير واعي (وهي اساساً كانت مرتبطة بالنظام السابق وناكرة حتى لإنتمائها القومي سابقاً) في هذا الصراع وخاصة بعد ان فقدت هذه المجموعة امتيازاتها حاليا وتريد ان تجد مكاناً جديداً ومريحاً في الساحة السياسية وتريد ان تدخل من خلال هذه الفجوة المفتوحة وتُدعم بشكل واضح من قبل القوى الأخرى التي هيّ أيضا  لها مصلحة في إضعاف هذه الجبهة واطلقت عليهم في احدى المقالات بـ "القوميين الجدد" وهم خارج وداخل السرب ومتعاونين سوية في اُستخدامهم مبدأ "فرق تسد" و منحت لهم ايضاً امتيازات خاصة ضمن الأحزاب الذين ينتمون لها ... وحرف " واو "العطف بدأ يزداد استخدامه بعد ان انتعشت هذه العناصر بالمراكز الوظيفية وأصبحت تنتفع من ورائها شخصياً وفي بعض الحالات استخدم مبدأ التهديد وهذا لايختلف تماماً عن المبدأ الذي كان يستخدمه نظام صدام الديكتاتوري لتمرير مشاريعه الهدامة... نحن كنا ضد النظام لا كنظام وانما كنا ضد المباديء التي كان يمتلكها ويمارسها هذا النظام واذا بدأنا نحذوا حذوها فاذن اين الفرق؟ ... ولايُستغرب ان يدخل الشعب الكردي في صراعات جانبية لاحقاً اٍذا استمرت هذه القوى بممارسة الأساليب القديمة مع القوى السياسية المختلفة وأعتقد هو أي الشعب الكردي  يريد التخلص من كل هذه الصراعات التي تدخلها والمواطن الكردي البسيط يريد ان يتمتع كباقي مكونات الشعب العراقي بحقوق المواطنة والاستقرار وغيره... اما اذا أرادت البرجوازية الفتية التي اخذت في يدها مفاتيح السلطة ،  ان تلعب على المشاعر القومية ليتوفر لها المناخ المناسب لنموها ،فهذا سيشكل خطراً على المسيرة وسيشكل فعلاً خوفاً حقيقياً من هذه القوى الجديدة التي ستفرزها الساحة السياسية ، وتوجد  إشارات أولية والتي تعطي الصورة السلبية والتي لا تنسجم مع الأطر الوطنية الحقيقية والعامة.

 

الامكانيات النظرية متوفرة وواسعة وبالذات الماركسية مليئة بمثل هذه الآفاق وتوفر الحلول العملية اٍلا اٍنه يجب أن يتخللها التحليل الصائب للمستجدات الجديدة والنية الحسنة والتنصل من الروح الأنانية في حل الإشكاليات والتي نحن لسنا مسؤولين تاريخياً عنها بشكل مباشر ولكن مسؤليتنا تكمن في عدم اٍستمراريتها اوتعميقها ولتكن لغة الحوار الهاديء والتفكير المنطقي هو السبيل التي  ستوصلنا الى الهدف المنشود. والحديث يدورهنا بجدية و مرتبط ،بقدر ما ،بالممارسات العملية والمتمثلة بالنزاهة والمصداقية في العملية السياسية والتي بدأت تأخذ طابعاً غير منسجمأ مع التطورات الأخيرة وكان حرمان سهل نينوى احدى ممارسات التهميش للطابع القومي لها بسبب عدم التوافق مع ان يكون نوع من الادارة الذاتية للكلدواشوريين وهذا يخالف الطروحات التي تدعي بها هذه "القوى الديمقراطية"..في الوقت الذي نرى دعماً للفيدرالية " الكردستانية" المقبلة من قبل الاحزاب السياسية والنخب المختارة من المثقفيين العراقيين. والفيدرالية يجب ان لا تأخذ حيزاً متميزاً وحجماً اكثر مما تستحقه مستندين الى الحجة المعلنة وهي اعطاء الضمانات الكافية للأكراد .. وهذا ايضاً حقاً مشروعاً ...ولكن يطرح أيضاً أين الضمانات للفئات الاخرى في هذه الفيدرالية المقبلة ؟ أليس من الأفضل أن تكون فيدرالية أخرى في سهل نينوى ؟

لا نريد في هذه الفترة ان تخلق فجوة كبيرة بين الأطراف السياسية وإنما لابد من إعطاء الفرصة للتحاور ...وما يلاحظ وجود فجوة كبيرة بين القوى السياسية المختلفة  ومايخص  بالذات الكلدواشوريين السريان ان تهيء لهم الفرصة الكاملة لممارسة حقوقهم في المشاركة الكاملة ولا يتعامل مع قضيتنا انطلاقاً من المواقف السياسية المرحلية او التحالفات المرحلية او من المنطلق الحزبي الضيق وانما يجب ان يتعامل معها كأية قضية عراقية اخرى ..وأهم قضيتين هي :

المهجرين الذين اجبروا ترك العراق قسراً بعد احداث 1933، والذين تركوا العراق لاسباب سياسية واعطائهم الجنسية العراقية وارجاع حقوقهم الكاملة لهم كما هو الحال مع المطاليب الكردية في كركوك .

وإرجاع القرى التي تم التجاوز عليها وبالذات في المنطقة الكردية وتشكيل لجان مشتركة وبالتنسيق مع مؤسسات الدولة المركزية وأعادتها إلى أصحابها الأصليين ومعاقبة المتجاوزين وتعويضهم وفق اسس تضعها الدولة والمؤسسات الحكومية المركزية .

وليكن هذا الحوار ودياً للوصول إلى  بعض من التوافق في طرح السبل والحلول السياسية التي ستخدم مستقبل العراق الديمقراطي "الحر" و" الموحد". والعملية السياسية في العراق مرهونة بالتطورات الجدية في حل المشاكل التي تراكمت  خلال سنوات طويلة وأخذت طابعاً نوعياً وهنا نحتاج الى:

ان تحل كل الاشكاليات وفق الأولوية والتي تضمن اولآ الآمان والعمل والسكن والخدمات العامة.

التهيئة النفسية الكاملة للفئات المختلفة واعطائها الامل لحل كل الاشكاليات التي تمس المواطن ولاتكون على اساس الطائفي او القومي.

ترك مخلفات الماضي والتوجه نحو بناء علاقات جديدة مبنية على مبدأ الأحترام المتبادل.

اٍعطاء الفرصة للتحاور وعدم التعامل من موقع القوة وخاصة مع القوى التي ليس لها ثقل سياسي بسبب العدد السكاني او عدم وجود جهة خارجية تدعمها.

 

ويقال : لن اكن حراً اٍذا سلبت حرية الآخر

 

السويد ‏2005‏‏-‏03‏‏-‏13‏

 

ملاحظة : في هذا اليوم نشر مقال جديد للاستاذ الفاضل د. كاظم حبيب تحت عنوان " حول بعض المسائل الحوارية الراهنة بشأن كردستان وكركوك والكلدو آشور " وفيه ناقش بعض الافكار المطروحة في هذا المقال ايضاً واتمنى لكاتبنا الصحة الكاملة لمواصلة العمل لخدمة القضايا العراقية.