العنف سلاح الخائف

 

بقلم:  داود بيت ابونا  

 السويد ـ الثلاثاء 22 شباط 2005

 

قبل بضعة أشهر أقامت المؤسسات الكلدانية السريانية الآشورية  في مدينة لينشوبنك محاضرة  قيّمة ألقاها الدكتور وحيد، المختص في علم النفس. كانت المحاضرة علمية بحتة ولا علاقة لها بالسياسة رغم أنها أوضحت الكثير مما يرتبط بالسياسة والأسس التي تقف عليها الكثير من الأحداث والممارسات الجارية في العراق الآن وحتى ما جرى في السابق، خاصة أعمال العنف التى يندى لها جبين الإنسانية.  كان أهم ما أثار إنتباهي في المحاضرة ما تحدث به الدكتورعن الخوف وعلاقته بالعنف، وكون الإنسان العنيف إنسان خائف يحاول تغطية خوفه والرد عليه بالعنف، وهي ظاهرة شاهدتها ولمستها في مناسبات وتجارب عديدة في حياتي، ولاحظتها على أناس من حولي، وقرأت عنها في السابق لكن ليس بالدقّة التي حددها المحاضر. أثناء المحاضرة عدت بالذاكرة إلى الوراء وتذكرت محاضرات قديمة في السياسة كان من ضمن ما تناولته العلاقة بين العنف والوعي خاصّة في المجال السياسي. حيث  أكدت على أن السياسي الذي يميل إلى حسم المعركة بسرعة من خلال العمل المسلح وممارسة العنف مع العدو هو أقل صمودا من السياسي الهادئ، في حالة الوقوع بأيدي الأعداء والتعرّض لعملية التعذيب أثناء عملية التحقيق والآستجواب. وبدأت أعود بذاكرتي إلى الوراء ومراجعة تأريخ الأشخاص الذين عملوا في السياسة وخاصة معارفي من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي وغيرهم من المناضلين الوطنيين العراقيين من مختلف الإتجاهات، والذين سقط الآلالف منهم شهداء على أيدي النظام المقبور وغيره من الأنظمة الدموية التي عاثت في أرض العراق فسادا. بعد التمعّن في تلك الحالات أيقنت من أن هذه النظرية صحيحة إلى درجة كبيرة، وأن العنف هو فعلا سلاح الخائفين وليس سلاح الشجعان. تذكّرت من بين الشهداء البطل بنيامين يوسف الذي أعدمته قطعان الحرس القومي، مع العشرات من رفاقه الأبطال عام 1963، بعد إنكشاف الحركة المسلحة في منطقة  فايدية، الهادفة لإسقاط إنقلابيي الثامن من شباط الأسود، وبعد فشل حركة معسكر الرشيد في الثالث من تموز من نفس السنة بقيادة الشهيد البطل حسن سريع ورفاقه الشجعان. تذكرت كيف صمد هؤلاء الأبطال دون أن يقدّموا أي تنازل للفاشست. إن صمود الشهيد البطل بنيامين أصبح إسطورة يتناقلها كل من يعرفه وسمع عنه، وخاصة أهالي منطقة برواري بالا التي كان ينحدر منها، لأن هذا البطل  كان معروفا بهدوئه وطبعه المسالم الودود ولم يكن أحدا يتوقع منه ذلك الصمود وتلك البطولة التي أنقذت حياة الكثير من مناضلي ومناضلات الحزب من السقوط بأيدي الوحوش. كذلك تذكرت الشهيد وردا داود الذي كنت أعرفه جيدا بحكم الجيرة لأكثر من عشرة أعوام من طفولتنا في القرية. لقد كان هادئا ودودا مسالما ذو أخلاقا عالية لا يؤذي أحدا. أعتقل بعد إنهيارعزيز الحاج  وظهوره على شاشة التلفزيون مع الصحاف، مدير الإذاعة والتلفزيون آنذاك، محطما الروح الثورية لأغلب أعضاء تنظيمه ومعنويات الجماهير الغفيرة التي كانت تنتظر منهم الكثير، عدا الأبطال من أمثال وردا، الذي أعتقل في هذه الأجواء المخيبة للآمال ولم نسمع عنه شئ سوى ما رواه لي بعد سنين ( ب. ش.) الذي أدرك أثناء حديث بيني وبينه أنني من أبناء قرية كاني ماسي فأخبرني بالبطولة التي إستشهد بها وردا، حيث ذكر بأن الشهيد أعتقل وتعرّض لأشكال التعذيب الوحشي، حسب شهادة  رفيق سجين خرج بعد مدّة وروى له القصة كاملة. إستشهد البطل وردا ولم يحصل الأعداء على أي شئ منه، ودليل  ب. ش. على صموده وإستشهاده ببطولة هوأنه،  وجميع أعضاء الهيئة الحزبية التي كان يقودها الشهيد، سلموا من الإعتقال رغم أن الشهيد كان يعرف أسماءهم وبيوتهم وأماكن عملهم جميعا.

كما يمكن العودة وتذكّرالأعمال الوحشية التي مارسها أفراد الحرس القومي المدججين بالسلاح  ضد العزّل من أبناء الشعب العراقي إبتداءا من إنقلابهم الدموي في الثامن من شهر شباط  عام 1963 لغاية الثامن عشر من تشرن الثاني من نفس العام، حين إنقلب الأمرعليهم على يد حلفاؤهم تحت قيادة عبد السلام محمد عارف  فتملّّكهم الذعر كالجرذان وحاروا بأسلحتهم التي قتلوا بها آلاف الشيوعيين و خيرة الوطنيين العراقيين بوحشية وبدم بارد، فأرسلوها بأيدي حريمهم لتسليمها لمراكز الشرطة والجيش. أين كانت شجاعتهم تلك التي مارسوها مع الأبرياء العزل من الرجال والنساء من أبناء وطنهم عندما واجهوا من كان على شاكلتهم.

وهناك مثال آخر على سلامة وصواب هذه النظرية التي تربط العنف بالخوف وعدم الصمود في الشدائد، وهو أن أحد أبطال العمل الأنصاري خلال الستينات من القرن العشرين أعتقل في  هجمة عام 1970 وتعرض للتعذيب الوحشي كما هي العادة حين سقوط المناضلين من كل الهويات الوطنية بأيدي الوحوش، ولم يستطع الصمود فترك العمل في صفوف حزبه.  والطريف في الأمر أن هذا المقاتل الأنصاري الذي كانت له صولات وجولات بين الصخور في الجبال الشمّاء والوديان الخضراء، وقصص بطولية تروى إلى اليوم،  كان له شقيق أصغر إنتمى للحزب تأثرا بشقيقه الكبير. في نفس الحملة التي أعتقل فيها الأخ الكبير في شمال الوطن، أعتقل الشقيق الأصغر في بغداد وأدخل قصر النهاية سئ الصيت وتعرّض لآشكال التعذيب والتنكيل لكنه، على عكس أخيه المقاتل، أبى أن يستسلم لمشيئة الأعداء بل بقي صامدا لفترة طويلة إلى أن أطلق سراحه نتيجة مستجدّات في الوضع والعلاقات السياسية التي لسنا بصددها الآن. لا نريد من هذا الكلام الإساءة والتعرّض للتأريخ النضالي لأي شخص ساهم ولو بالشئ القليل في زعزعة أركان الظلم ولا المزايدة على أحد، بل نقدرعاليا كل عمل نضالي وبأي شكل من الأشكال قدّمه كل مناضل من كل الإتجاهات الوطنية، مما ساعد بالنتيجة على إنهاء الطغيان، لأننا نعلم جيدا أن قدرات الإنسان رغم إختلافها من شخص إلى آخر فهي محدودة.  بل كل ما نوّد قوله هو أن العنف ليس دليل شجاعة وقوّة بل العكس فهوإن دلّ على شئ فهو يدل على ضعف من يمارسه وخوفه.

وفي الختام نوّد أن نقول كلمة لجميع أولئك الذين يِؤمنون بالعنف كوسيلة للتعامل مع الآخرين و بجعجعة السلاح وقتل الأبرياء ونشر الرعب بين النساء والأطفال والشيوخ الضعفاء، وتخريب مقدّسات غيرهم وتدمير ممتلكاتهم ومصادر رزقهم ونهبها والإستكبار والتسلط على الآخرين وإستضعافهم من أي منطلق كان، والأستهتار بحقوقهم وسلبها، نقول لهؤلاء إننا على علم بما في دواخلهم والأمراض التي في نفوسهم، ونصيحتنا لهم أن يرموا أسلحتهم في مزابل تأريخهم ويراجعوا أنفسهم لإكتشاف ما فيها من أوساخ وقمامات تراكمت مع الأيام، وتنظيف قلوبهم منها وإحلال شئ من المحبة والرحمة وروح التعاون والتعايش والسلام محلها، فهذا أجدى لهم وأصلح للجميع، لأن العنف يولد العنف، ولأن الدهر يومان، يوم لك ويوم عليك ...... وأن الندم لا ينفع صاحبه بعد فوات الأوان.