سلبية أبناء شعبنا في المهجر من الإنتخابات

بين اللامبالاة وإدراك الواقع المرير

 

بقلم: داود بيت ابونا

 لينشوبنك/ السويد

 

أوضحت نسبة مشاركة عراقيي المهجر في الأنتخابات البرلمانية الأولى من نوعها في تأريخ العراق الواقع المرير الذي تعيشه هذا الشريحة المهمة من الشعب العراقي، حيث لم تتجاوز هذه النسبة خمس عدد البالغين الذين كان لهم حق المشاركة. وكانت النسبة أوطأ بكثير بين أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري الذي تعيش أعدادا كبيرة من أبنائه  قد تتجاوز نصف عدده الكلي في ارض الشتات لأسباب سنأتي على ذكرها لاحقا. وكان لهذه السلبية أسبابا عديدة ومختلفة، منها ذاتية وأخرى موضوعية، بعضها عفويا جاء بمحض الصدفة والبعض الآخر جاء نتيجة لصعوبات وعراقيل مقصودة ومدروسة ومخطط لها بشكل جيد من قبل أناس لهم من الخبرة والإمكانيات والقوة بما يكفي ويزيد للقيام بذلك . فما هي هذه الصعوبات وما هوالواقع العملي الذي تم إستغلاله لزرع هذه العراقيل؟

من المعروف جيدا بل من البديهي أن الإنسان السوي والطبيعي يميل إلى تسهيل وتحسين ظروف حياته وإزالة ما يعكرها والإبتعاد عن كل ما يفسدها، ويحاول قدر إمكانه تجنب الممارسات التي تفرض عليه فرضا ويرفض الظلم والتسلط من قبل الآخرين. كما أنه من البديهي أن الإنسان الذي خرج من العراق منذ زمن طويل وعاش في المجتمعات المتمدنة لفترة طويلة ناهيك عن المولود في هذه المجتمعات، ينظر إلى الحياة وتفاصيلها بنظرة مختلفة كليا عن  نظرة الفرد الذي عاش طوال حياته تحت سياط الطغاة  والذل والحرمان الذي سلطوه على أبناء شعبنا لعقود طويلة، والرضوخ  لمشيئتهم والقبول بممنوعاتهم وحلالهم وحرامهم وغيرها مما لا يستطيع أبناء الشعوب الأخرى وحتى الشبيبة العراقية المولودة في الخارج أو التي غادرت البلاد في أعمار صغيرة، القبول بها أو حتى تصديق حدوثها. أضف إلى ذلك أن المولود في المجتمعات المتطورة أو الذي أصبح هذا النمط من الحياة جزءا من كيانه، لا يفكر بنفس الطريقة المتخلفة التي يفكر بها أبناء مجتمعاتنا في الشرق والمهاجرين الجدد منها، خاصة التفكير الجامد المتحيز دون  نقاش أو تبرير للجماعة التي ينتمي إليها، قبيلة كانت أم طائفة، قومية كانت أم دين، والتحيز الأعمى للقريب ومناصرته تحت كل الظروف وفي كل المواقف والحالات على طريقة أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، أو مبدأ أنا مع أخي على إبن عمي ومع إبن عمي على غيره، وغيرذلك من الترّهات السائدة في مجتمعاتنا غير المتمدنة والتي هي سبب بلائنا وتخلفنا عن العالم وعدم قدرتنا على التعايش السلمي في بلد واحد، بل هي سبب رئيسي من أسباب كل ما أصابنا ويصيبنا من مآسي وكوارث وما سيصيبنا في المستقبل ويبقى عائقا كبيرا أمام عملية بناء مجتمع مدني عراقي متطور يعلو فيه القانون على الجميع دون إستثناء وتصان فيه حقوق الإنسان كفرد وحقوق الأقليات الدينية والعرقية وغيرها، ومما يشكل قنابل موقوتة يمكن تفجيرها في أي وقت، وتعريض البلاد إلى أوضاع مأساوية وكوارث جديدة ربما تؤدي بالنتيجة إلى تفتيتها وتقسيم أوصالها.

إن الكثير مما حدث في الإنتخابات الحالية كان ترسيخا لهذه الممارسات وتكريسا لهذا الواقع المذل والمعيب، و نتائج الإنتخابات جاءت معززة  لهذا الواقع المريروهذه النظرة المتخلفة لكل جوانب الحياة وحتى لكل التجارب الإيجابية المستورده من الخارج والتي صلحت لغيرنا ولا ندري إن كانت تصلح لنا ولواقعنا المزري هذا.

إن عملية الموافقة على إشراك عراقيي المهجر في الإنتخابات كانت خطوة إيجابية إستحقت التقدير، رغم أن ذلك أمر طبيعي وليس منّة من أحد على هذه الشريحة الكبيرة من أبناء العراق، الذين لم يغادروا البلاد حبّا بالتغرّب والتجوال والتسول في شوارع دول الجوار وأوربا وأمريكا وأستراليا وغيرها من الدول في كل أنحاء المعمورة، والتعرّض لكل أشكال الذل والهوان التي يتعرّض لها المهاجر المتشرّد أوالمهجّر، بل أن غربتهم جاءت لكونهم أشد الناس معارضة للنظام الدموي وما سبقته من أنظمة جائرة، وأكثرهم تعرّضا للملاحقة والإظطهاد من قبلها. لذلك ومن أجل أن تكون هذه الإنتخابات معبّرة عن إرادة كل العراقيين دون إستثناء أعتبرعراقيو المهجر هذا القرار قرارا تأريخيا منصفا، لكن ومع الأسف الشديد كان الجانب العملي في تطبيقه فاشلا إلى درجة كبيرة مما أعاق أكثر من 80% من العراقيين من ممارسة حقهم المشروع  في المشاركة رغم المبالغ الطائلة التي رصدت لهذه العملية من أموال الشعب العراقي والمساعدات المتنوعة التي قدمت له من مختلف المصادر والتي كان يمكن إستخدامها في مجالات أخرى لو تم الحرص عليها والتقنين في صرفها، خاصّة وأنها لم تؤت الثمار المرجوّة منها كاملة ولم تحقق الهدف المنشود كما ينبغي.

من السلبيات الكبيرة التي رافقت التطبيق العملي لهذا القراركانت مسألة مراكز التسجيل والتصويت التي حددت في بلدان معينة( 14 بلد فقط)، ومدن معينة من هذه البلدان، والتي لم تكن كافية أبدا ولم تكن مدروسة بالشكل المناسب وجاءت بقرار فوقي تغافل العديد من الحقائق والأمورالواقعية، خاصة الكثير من المناطق التي تتواجد بها أعدادا كبيرة من  العراقيين ومن أبناء شعبنا بالذات، وكان وراء ذلك غايات وأهداف للقائمين على الأمور وأصحاب القوّة والقرار الجدد، نعرف بعضها الآن وسنعرف البعض الآخرلاحقا عندما ينكشف المخفي والمستور أو جزء منه. وقد كانت تفسيرات المفوضية العليا المستقلّة للإنتخابات ووكيلتها، منظمة الهجرة العالمية، لهذه السلبيات واهية وغير مقبولة مثلما كانت التفسيرات لما حدث في الوطن كمهزلة حرمان مناطق بأكملها من حق المشاركة في الإنتخابات دون مبررات حقيقية وهي أيضا المناطق التي يتواجد فيها شعبنا بكثافة عالية، والتي سنتناولها في مناسبة أخرى نظرا لأهميتها بالنسبة لمستقبل شعبنا وحقوقه المشروعة على ما تبقّى من أرضه التاريخية ، وأهمية تأثيراتها على مصير مناطق وأجزاء مهمة من الوطن يجري عليها صراع  بين الأقوياء الجدد وبينهم وبين القدامى أيضا وتجري حولها مؤامرات ودسائس تهدد مستقبل الوطن ووحدة أراضيه، وهذا الموضوع  له أهمية خاصّة وهو أكبر بكثير من أن يتم تناوله في هذا المقال البسيط. وأكثر الحجج المستعملة في  تبريرعدم توفير المراكز الكافية للإنتخابات في الخارج هي رفض الدول المضّيفة لذلك أوالقبول المحدود لعدد المراكز بحجة العوامل الأمنية وإمكانية حدوث أعمال إرهابية، وإمكانية حصول عمليات التزوير، والتي حدثت فعلا بدرجات غير قليلة في المهجر كما في الداخل وهذا ما صرحت به مصادر عديدة من ضمنهم مسؤولون في المفوضية العليا نفسها. فما هو الحيف الذي لحق بشعبنا الكلداني السرياني الآشوري في المهجر؟ وما الذي يميّز ذلك عن الذي لحق بغيره؟

من المعروف للجميع ما حصل لأبناء شعبنا في أعقاب الحرب الكونية الأولى حين فقد آخر معاقله في أرض الآباء والأجداد في شمال الوطن الحبيب خاصة مناطق حكاري وأورمية وطور عابدين وما جاور هذه المناطق، وتشتت من نجا من أبنائه من مذابح وحملات إبادة جماعية يشهد لها القاصي قبل الداني، في مختلف بلدان المنطقة وخارجها مما عرّض وجوده على أرضه التأريخية للخطر بتغيّر الواقع الديموغرافي في المناطق التي كان يشكل فيها أكثرية إلى وقت قريب، وخلو بعضها من وجوده كليّا. وحتى في البلد الواحد من البلدان التي تواجد فيها توزع على مناطق ومحافظات وولايات مختلفة لأسباب سياسية وإقتصادية وغيرها ولعدم إمكانية الحصول على رقعة أو قطعة أرض مشتركة يعيش فيها ليحافظ على كيانه وتراثه من عبث الزمان وغدر الإنسان. وفي العراق تعرّض إلى مذبحة أخرى عام 1933 زادت من تشتته وغادرعلى أثرها قسم كبير من الناجين إلى سوريا ومن هناك هاجر الكثير منهم إلى الغرب.

إن هجرة شعبنا القسرية إلى خارج أرض الآباء والأجداد سبقت هجرة الأطياف العراقية الأخرى بزمن طويل وإستمرت ولازالت نزيفا جاريا إلى يومنا هذا. هذا الواقع وهذا التشتت سواءا في الوطن أو في الشتات، والذي هو موضوعنا هنا لا يعاني منه بنفس الدرجة أي طيف عراقي آخر حيث أن المهاجرين والمهجرين العرب والأكراد وغيرهم، الذين بدأت هجراتهم الكبيرة في فترات متأخرة وعلى شكل جماعات بقيت متماسكة في غربتها تستقبلها وتنظّمها أحزاب ومنظمات سياسية ودينية وغيرها، وتعيش قريبة من بعضها في العواصم والمدن الكبيرة  في أغلب البلدان التي توجهوا إليها، وهي المدن التي تم إختيارأغلبها  مراكزا للتسجيل والتصويت. وهناك أمر واقعي آخر وهو أن نسبة كبيرة من أبناء شعبنا الموجودين في الخارج مولودون هناك أو أمضوا أغلب سنين حياتهم في المهجر وهناك نسبة عالية منهم لم تحتفظ بوثائقها العراقية أوفقدتها نتيجة الظروف القاسية التي مرّت بها في طريقها إلى المجهول، والزمن الطويل من الغربة والإهمال الذي رافق ذلك، أوعدم توقع الحاجة إليها نتيجة اليأس وعدم توقع وتصديق إمكانية سقوط النظام الديكتاتوري ومجئ اليوم الذي يتحقق فيه حلم مشاركة العراقيين وخاصّة عراقيي المهجر في الإنتخابات. وهناك من لم يكن يملك هذه الوثائق أصلا ، خاصة شهادة الجنسية العراقية لأسباب عديدة معروفة، وإن عملية الحصول على وثائق جديدة أصعب عليهم من غيرهم كما كانت دائما نتيجة الموروث المعادي لهم والعراقيل المتنوعة والعجيبة والغريبة التي كانت تزرع في طريقهم عمدا وبسوء نية لمنعهم من الحصول على الوثائق أو إرهاقهم، كخلق مشكلة الأسماء وكتابتها بشكل خاطئ ووجوب تصحيحها في مسقط الرأس الذي كان في أغلب الأحيان على بعد مئات الكيلومترات وضياع المعاملة وضياع  صاحبها  بين المحافظات ودائرة النفوس والجنسية والتجنيد وكتابنا وكتابكم وغيرها من القصص التي لا تكفي لسردها كتب وموسوعات، أضف إلى كل ذلك واقع اليوم وعدم وجود سفراء أو حتى موظفين في الطواقم الجديدة  للسفارات والقنصليات من أبناء هذا الشعب مثلما يتوفر لغيرهم لتسهيل عملية الحصول على الوثائق، وأمور أخرى كثيرة جعلت من الصعب عليهم الإقدام أو حتى التفكير بالحصول على الوثائق اللازمة للمشاركة في الإنتخابات فابتعدوا عن هذه المصاعب، وأعتقد الكثير منهم بأنهم بذلك تجنبوا المشاكل ودوخة الرأس كما يقول العراقي، غير مدركين لحجم الضررالذي ألحقوه بشعبهم بعدم مشاركتهم. هذا إضافة لما ذكرناه من أن أبناء شعبنا في بلدان المهجر، خاصّة أمريكا وكندا وأستراليا التي يشكلون فيها الأكثرية بين العراقيين، والذين مضى على وجود الكثير منهم في هذه البلدان زمن طويل، يتوزعون بين الولايات والمدن البعيدة وكان على ألآف مؤلّفة منهم السفر لمئات الأميال مرتين للمشاركة في التسجيل والتصويت وهذا أمر شبه مستحيل خاصّة لمن ترعرع في بلدان قلّما يشارك مواطنيها في الإنتخابات التي تجرى على بعد أمتار معدودة  فقط من بيوتهم، فكيف نطلب منهم أن يقطعوا كل هذه المسافات الخيالية ويصرفوا المبالغ الطائلة والوقت الثمين لخوض معركة هي بنظرهم خاسرة ومحسومة النتائج لصالح الآخرين، فما الفائدة من المشاركة في إنتخابات تنتشرالدعايات بكونها مجرد عملية ضحك على الذقون، وكونها مرتّبة والكراسي موزّعة سلفا بين الأقوياء أو المستقوين بحراب المحتل الأجنبي وغير ذلك مما قيل ويقال عن هذه الممارسة الأولى في حياة العراقيين.

 إن كل هذا الذي قلناه هنا وكل ما يقال أو يمكن قوله عن الممارسات غير السليمة والخاطئة التي رافقت الإنتخابات العراقية والنتائج التي كانت مخيبة لآمال الكثيرين ممن ناضلوا وضحّوا بالكثير من أجل إسقاط النظام الديكتاتوري المقيت، والتي ستترك آثارها السلبية على مستقبل العملية، لا يقلل من شأنها من ناحية كونها التجربة الأولى لهذا النمط الجديد من الحياة التي دخل فيها الشعب العراقي بعد قرون طويلة من الظلم وأشكال الإستغلال والإضطهاد التي سلّطها عليه الطغاة من مختلف المذاهب والمشارب، وكونها تزكية لعملية التغيير وضربة قاصمة لقوى الإرهاب وبقايا فلول النظام الدموي السابق التي حاولت عرقلة العملية وإفشالها من خلال إرهاب الناس ومنعهم من المشاركة، ضمن جهودها اليائسة للعودةإلى السلطة من جديد بحجة مقاومة المحتل وغير ذلك. إن الكثير من هذه السلبيات  يمكن تجاوزها تدريجيا في الإنتخابات القادمة والتي ستليها وصولا إلى الديمقراطية الحقيقية والحياة الحرّة الكريمة لجميع العراقيين دون إستثناء، والتي قدّم شعبنا العراقي بكل تلاوينه ومكوناته التضحيات الجسام في سبيل بلوغها. لقد آن أوان التحرر والتخلّص من كل سلبيات الماضي ونتائجها الكارثية فهل سنجيد إستغلال الفرصة وإدارة الصراع بشكله الصحيح أم سنبقى ندور في حلقة التخلف والتمزّق المفرغة وتبقى أحوالنا كما هي أو أسوأ مما هي عليه؟