إلى آباء كنائسنا الرسولية الموقرة

لتكن كنيسة الرب  الصدر الحنون لأبناء شعبنا المتعب

لا إسفين يشق وحدته

داود بيت أبونا / السويد

   

بين الحين  والآخر تطالعنا  الصحف  بما يصدر عن رجال كنائسنا الموقرة بمختلف تسمياتها وفروعها وهي مع الأسف الشديد عديدة ومختلفة في أمور كثيرة ليس لشعبنا فيها لا ناقة ولا جمل، بل هي في خلافاتها وإختلافاتها هذه كانت ولا تزال تلحق أبلغ الضرر بهذا الشعب العظيم الذي إحتضن المسيحية منذ ولادتها وقبل كل شعوب العالم. فرغم الإبادات التي لحقت به  لإصراره على التمسك بالمسيحية وتعاليمها الإنسانية السمحاء وما تعرض له وجوده  على أرض الأجداد بسبب هذا التشبث، إلاّ أن البعض من رجال الكنيسة وفي مختلف الأزمة لم يقدّروا ذلك حق التقدير بل إستغلوا نفوذهم ومكانتهم وتقدير شعبنا بل تقديسه لآباء كنيسته،  للوصول إلى غايات خاصّة بهم أو بالمقربين منهم أو حتى بجهات أخرى لا علاقة لشعبنا بهم وغير ذلك مما تشهد عليه وقائع عديدة في التاريخ، لكن هذا لا ينفي أو يلغي التضحيات والبطولات التي قام بها رجال من آباء كنيستنا الموقرة بكل فروعها المشرقية العريقة بجذورها الراسخة في الأرض وفي قلوب المؤمنين، حيث قدّم المئات بل الآلاف منهم حياتهم وحياة عوائلهم وأقاربهم قرابين من أجل أن تبقى شجرة المسيحية باسقة خالدة على أرضنا.

من هذه المقدمة البسيطة نريد الدخول في موضوع بالغ الأهمية بالنسبة لشعبنا في هذه المرحلة الدقيقة من حياته التي تؤسس لمستقبل أبنائه على أرض الأجداد والتي إن أسأنا التصرف فيها لن نخسر الحاضر فقط بل المستقبل والوجود إلى أبد الآبدين. فمن المعلوم أن بلادنا تمر في ظروف أستثنائية ربما تكون فريدة من نوعها في كل تاريخها منذ سقوط الكيان الوطني وتعرض البلاد للغزو والحكم الأجنبي بسقوط نينوى وبابل قبل أكثر من 25 قرنا. هذا الوضع الجديد والإستثنائي يتمثل في سقوط الحكم الديكتاتوري ونشوء إمكانية بناء عراق جديد وكتابة دستور دائم يحدد معالم المستقبل وحقوق الأفراد والجماعات المكونة للمجتمع العراقي ودور ومكانة كل واحدة من هذه المكونات وما لها وما عليها والكثير من الأمور التي تهم الإنسان العراقي بشكل عام وإنساننا الكلداني السرياني الآشوري بشكل خاص. إن هذه المستجدات أثارت أنتباه وإهتمام جميع العراقيين بكل إنتماءاتهم ودفعت ممثلي جميع الأطياف للعمل على تقوية مواقعها من أجل الحصول على أكبر حصة من الكعكة التي يتم تقسيمها اليوم وليس غدا، الجميع ، صغارا وكبارا يعملون بجد وعناء وبذكاء وبكل الطرق المشروعة والملتوية مستعملين كل الأسلحة من أجل ضمان مستقبل أبنائهم وأحفادهم إلاّ نحن الذين أصبح الإختلاف والإنقسام جزءا من كياننا ودخلت هواية التضحية والإستشهاد في نفوسنا منذ أيام المسيحية الأولى حين كانت الجموع تتجه طوعا نحو حفر النار وخنادق الموت في كركوك وأربيل وكل بقاع أرضنا المخضبة بدماء أجدادنا الزكية. فإن كان أجدادنا يفعلون ذلك بسبب الجهل لمفهوم الإيمان الصحيح ومعنى الحياة على الأرض فلماذا نتجه نحن اليوم لنفس الحفر وخنادق التفرقة والتمزق الأخطر من خنادق النار ونحن في زمن النور والمعرفة والتطور. هل يجهل آباء ورجال كنائسنا الموقرة خطورة ونتائج الإنقسام والتشرذم وهم أصحاب شهادات الماجستير والدكتوراه في الفلسفة واللاهوت وغيرها من الإختصاصات إضافة للخبرات في كل مجالات الحياة والأفق والإطلاع الواسعين على الثقافة العالمية وغير ذلك مما يفتقر إليه قادة أطياف عراقية أخرى تعمل جاهدة من أجل رفع حصة شعوبها من الإرث العراقي الذي يتم تقسيمه بين مكوناته؟ ولماذا نحاول زيادة حصصنا على حساب إخوتنا من أبناء شعبنا ومن القليل الذي يمكن أن نحصل عليه فقط لو توحدنا، ونكثر الكلام عن عدد ونسبة كل واحد منا بين مسيحيي العراق بدلا من الحديث عن وحدتنا وحجمنا التاريخي والحضاري والسكاني ككل واحد في البلاد كأصحاب وورثة حقيقيين لها يشهد عليها الكثير من أبناء الأطياف الأخرى؟ لماذا نبحث عن فتاة موائد الأخرين ونتقاتل عليها ونحن مقسمون صغار بدلا من الجلوس على المائدة كبارا محترمين أقوياء بوحدتنا وتماسكنا وشرعيتنا التاريخية التي لا تشوبها شائبة  والتي نضيعها بجدالاتنا البيزنطية ونفيّنا لبعضنا البعض وإلغاء شرعية إنتمائنا للوطن من خلال ما يوجهه كل طرف منّا للآخر من تهم وتحريف لتاريخنا الواحد والتلاعب بالحقائق والشواهد  والأنساب وإعتماد المعلومات المشوهة والمشوشة من أجل تثبيت شرعية تسمية على حساب أخرى والتي يستغلها ويستعملها الآخرون ضدنا على طريقة "وشهد شاهد من أهلها " لإلغاء حقنا التاريخي ونفي إنتمائنا لبناة الحضارة الأوائل على هذه الأرض وتزوير حقائق التاريخ والإدعاء بالإنتساب الى أحد الأسماء التي هي في الحقيقة لنا ومن ثم الأجهاز على حصتنا من أرض الوطن ومجمل حقوقنا.  إننا بسلوكنا هذا نخون قضية شعبنا  في الحرص على مصالحه وإدارة شؤونه ونخسر جميعنا ويربح الآخرون ونبقى نعيش حياة الذل والهوان  نكيل التهم لبعضنا البعض ويبيع الضعفاء منّا أنفسهم للآخرين وتكون النتيجة ونهاية الأمر ذوباننا وإضمحلال وجودنا.

إن طريقة تعامل الكثير من آباء كنائسنا مع قضية شعبنا لا تزال على طريقة القبائل والمجموعات التي كان ينقسم إليها شعبنا في أيّام الجاهلية الغابرة قبل أن تشرق عليه شمس المسيحية التي وحدته نهائيا في شعب واحد هو ما درجنا على تسميته بلغتنا القومية " سورايا " ولسنا هنا بصدد مصدر هذه التسمية وتفسيراتها التي يختلف عليها المختلفون كسواها. إنهم في ذلك  يشبهون سدنة الآلهة وكهنة المعابد الوثنية الذين كانوا يحاولون ويعملون كل ما بوسعهم من أجل رفع شأن إلههم المحلي على حساب آلهة القبائل أو الجماعات الأخرى ويدفعون أتباعهم للإحتراب من أجل ذلك ، وطبعا كان وراء الأكمة ما كان من مصالح إقتصادية وغير ذلك من المصالح والأمر ليس مختلفا اليوم أيضا حيث أن الإنقسامات الحالية وراءها  صراعات مادية وإجتماعية متنوعة وغيرها من المصالح والأهداف يدفع شعبنا المسكين ثمنها غاليا وينتفع منها نفر ضال ممن لا يعير لمصالح وحياة أبناء هذا الشعب الطيب إهتماما. إن الكثير من الجهلة يعتقدون أن الأسماء الحالية التي يتسمى بها ما تبقّى من هذا الشعب العظيم هي إمتدادا حقيقيا لتلك الأسماء القديمة التي كان شعبنا يستخدمها قبل ألاف السنين ويؤجج لديهم هذه المشاعر بعض أصحاب المصالح من راكبي التيارات اللئيمة والمنتفعين من حالة التمزق والإنقسام سواء من داخل صفوف شعبنا أو من خارجه. إنهم يجهلون وبعضهم يتجاهل بأن شعبنا قد إنصهر منذ أكثر من عشرين قرنا وأصبح واحدا لا أحد منهم يعلم من أي المكونات القديمة ينحدر إلى أن جاء الأعداء من مختلف الأصناف ودخلوا الصفوف وتسللوا ألى داخل البيت الواحد فأعادوا التقسيم وأطلقوا كل على جماعته إسما من الأسماء القديمة الجميلة،  فقط من أجل تمييزهم عن الآخرين دون أن يكون في الأمر أية علاقة عرقية أو إثنية أو ثقافية متميزة، وهكذا أعاد هؤلاء الذئاب التاريخ إلى الوراء على شكل مسخرة وجريمة تقسيمية أضافت إلى معاناة هذا الشعب معاناة من نوع جديد وجعلت منه فريسة سهلة للمتربصين به وبأرضه ووجوده.

أن حال هذا الشعب اليوم قد وصل إلى نقطة لا يجوز معها السكوت على أي تصرّف غريب أو سلوك مشبوه يلحق الضرر بالقضية المصيرية له. إن كل من يعمل على تمزيق الشعب الواحد يجب إيقافه عند حدّه بالوسائل الممكنة،  وشعبنا يملك مختلف الوسائل لتحقيق ذلك فهو ليس اقل من غيره من الشعوب ولا أضعف منها. لذلك فعلى كل من يدرك ما هو فاعل أن يفكر مليّا بالأمر قبل أن يخطو خطوته ويقترف جريمته الشنيعة هذه، امّا الجهلة فلهم حساب آخر ومن واجب المدركين للحقيقة من  المخلصين تنويرهم وإفهامهم بأننا شعب واحد تعددت تسمياته لأسباب عديدة وإن مسألة تعدد الأسماء ليست عيبا فما العيب في أن يسمى الأسد ليثا او سبعا أو ضرغاما أو أي إسم من الأسماء العديدة التي أطلقها العرب على الأسد إعجابا بقوته ومهابة لبأسه وسطوته، والأمر كذلك مع السيف فهو الحسام والبتّار والأحدب وذو الشفرتين وما إلى ذلك.

إننا في كلامنا هذا لا نخص  طرفا واحدا من الأطراف المساهمة في عملية التقسيم بل نتحدّث عن كل الأطراف لأنهم يتحملون بشكل قد يكون  متساويا  أو قد يختلف ما يتحمله كل طرف من المسؤولية حسب حجم ما يفعله وما يلحقه بشعبنا وكذلك بحجم معرفته للحقيقة ومجافاته لها والإبتعاد عنها تحقيقا لأغراض في نفوس خائرة غير سليمة. ونود هنا الإشارة إلى دور مثقفينا المخلصين للعمل بجد من أجل كشف هذه الحقائق لجماهير شعبنا وفضح الأساليب الملتوية المستخدمة للإلتفاف على قضية شعبنا والإجهاز على حقوقه المشروعة وإلغاء وجوده على أرضه التأريخية، ولا يفوتنا أن نشيد بجهود العديد من الإخوة الطيبين المكافحين في هذا السبيل القويم نذكر منهم الإخوين سامي المالح واسكندر بيقاشا والعديد غيرهم وكذلك لا ننسى دور العديد من رجال الكنيسة في العمل من أجل تقريب أبناء الشعب الواحد من بعضهم البعض  ونخص بالذكر منهم سيادة المطران لويس ساكو رئيس أساقفة كركوك للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، ومطارنة وكهنة كنائس شعبنا ومثقفيه في سهل نينوى  لمؤتمرهم الرائع في بخديدا وما صدر عنه من دعوة للتعاون ووحدة الصفوف من أجل المصلحة العامة المشتركة وغيرهم من آباء ورجال الكنيسة من مختلف كنائس شعبنا ومثقفيه الذين عملوا ولازالوا يعملون في هذا الإتجاه نعتذر إن كنّا قد أغفلنا اسماءهم وأدوارهم الجليلة وكتاباتهم وتصريحاتهم ومساهماتهم المتنوعة الإيجابية بهذا الخصوص.

إن ما قلناه هنا هو رأينا ورأي الكثير من أبناء شعبنا الذين نلتقيهم ونتحدث معهم حول قضية شعبنا المصيرية، قضية الوحدة وخطورة الموقف الآن وعدم تحمل الأمر للتأجيل والمماطلة والتسويف تحت حجج واهية لا معنى أو مبرر لها. إن كل واحد من أبناء شعبنا يعتزّ  بهذه  التسمية أو تلك التي نشأ عليها منذ طفولته  وإعتاد سماعها وإستعمالها مع أهله وأصدقائه وأقرانه وكم دخلنا ونحن أطفال في جدالات بريئة دفاعا عن التسمية الكنسية التي كنا نتعصّب لها بحكم صغر عمرنا وقلّة وعينا  ومعرفتنا، ولكن اليوم المسألة مختلفة وليست مسألة عواطف ولعب أطفال بل هي قضية مصير شعب بكامله وأرض ووجود، مسألة لا تقبل المزاح  والتراخي وترك الحبل على الغارب. إن المسؤولية كبيرة ومن يتصدّى لتحملها يجب أن يكون أهلا  لها فالتاريخ لن يرحم المخطئين والمقصرين لذلك ينبغي لكل من يقول أو يفعل شيئا أن يعي ويدرك جيدا ما هو فاعل أو قائل أو مقدم عليه، لا أن يرتجل قولا هنا وفعلا هناك وأن يصرح برأي اليوم وآخر غدا لا رابط بينها بل مجرد هواية بالكلام أو تلبية لطلب هذه الجهة أو تلك أو مجاملة لهذا أو ذاك من القادة أو أصحاب المال أو الجاه أو النفوذ. إن مصلحة الشعب المتمثلة في وحدته هي فوق كل المصالح والميول والإتجاهات وإن مسألة التسمية لا يمكن حلها بتصريحات فوقية بعيدة عن الجماهير العريضة  ورعاية المختصين في هذا الشأن من المؤرخين والعلماء والمثقفين وغيرهم من  أهل المعرفة والمهتمين المخلصين الذين تكون غايتهم الأولى والأخيرة مصلحة الشعب والشعب فقط. من أجل أن يتم هذا بالشكل والأسلوب الصحيحين نطلب من كل من يعتبر نفسه مسؤولا أو ممثلا  لأحد أطياف شعبنا أن يتأنى في إطلاق التصريحات ويحاول إتباع الأسلوب العلمي الصحيح المدروس الذي يمكن أن تكون له نتائج طيبة للشعب والذي يمكن أيضا أن يكسب صاحبه الإحترام والتقدير بين صفوف أبناء شعبنا. إن إحدى الصيغ المركبة من الصيغ المطروحة اليوم يمكن أن تكون الحل المناسب الآن لدخول إسم شعبنا في الدستور الدائم الذي يتم إعداده الآن والذي فيه سيتم تحديد مكانة وحقوق كل مكوّن من مكوّنات الشعب العراقي ، وإن دائمية الدستور لا تعني برأينا دائمية الشكل بل الجوهر المتمثل بما لهذا المكون وذاك من حقوق وليس بالإسم الذي يطلق على المكونات خاصة الأسماء الطائفية، ولا يعقل أن تبقى العلاقات بين مكونات الشعب العراقي على ما هي عليه الآن بعد أن تنقضي مدة طويلة وتزول آثار الجرائم المقترفة في العهد البائد. فإلى الأمام يا أبناء سومر وأكد، يا أبناء بابل وآشور، يا أبناء اليوم، أبناء الشعب الكلداني الآشوري السرياني الواحد، إلى الأمام  في ترصين وصيانة الوحدة التي تتحطم عليها كل المشاريع التقسيمية أيّا كان مصدرها.